الأحد، 11 سبتمبر 2011

د.ياسين: لا اتجاه للمساس بالخيار الوحدوي التاريخي - حوار : سامي غالب

الأحد , 30 أبريل 2006 م


يجوز عزو الفضل في إنجاز هذا الحوار إلى مصائب الاشتراكي والمعارضة، إذْ أدركتُ بعض الفوائد من هذه المصائب. فهذا الحوار الذي كان مقرراً، أول من أمس الاثنين، في مقر الحزب الاشتراكي، تقرر تأجيله إلى اليوم التالي (أمس) بعدما تعثر إجراؤه هناك، بسبب عدم جاهزية المقر الذي يتم الآن ترميم المتبقى منه في حوزة الحزب، ومتابعة استرداد الجزء الآخر الذي ما يزال في قبضة وزارة النقل، رغم توجيهات أخيرة لرئيس الجمهورية بإعادته لمالكه الشرعي. الدكتور ياسين سعيد نعمان رحب بإجراء حوار معه لـ«النداء» وموقع «نيوزيمن» الإخباري، لكنه اقترح مجدداً تأجيله إلى اليوم التالي، على أن يستضيفني في منزله. حين بلغت منزله الكائن في مدينة "الوحدة" التي لا يطالب أحد بإصلاح مسارها، كانت المنغصات اليومية تواصل تقديم خدماتها لي، إذ كان الأمين العام قد جهز مقعدين في الحديقة المتواضعة لمنزله (أحدهما خصص لي) وذلك لأن الكهرباء مقطوعة عن الحي منذ الصباح، ولأن الجو غائم فإن الإضاءة داخل غرف المنزل غير كافية. أضاء ياسين سعيد نعمان في هذا الحوار الذي جرى ظهيرة يوم غائم، تخلله أزيز طائرات وزخات مطر، فيما السماء ترعد كأنما تريد تذكيرنا بأن الفضل في تدفق إجابات أمين الاشتراكي يعود في المقام الأول إلى تركة حرب 1994، وفيها استمرار عدم جاهزية مقر الاشتراكي في العاصمة، ووديعة "مقبل" التي سنحل شفرتها في هذا اللقاء، وتدهور خدمة الكهرباء في عاصمة دولة الوحدة بعد 15 سنة من الوعود التي فجرتها.
                                               حوار :  سامي غالب
* لوحظ احتشاد القضايا والقرارات في البيان الختامي لمؤتمركم، وسؤالي الأول عن أولوياتكم في المرحلة المقبلة؟
- الأولويات تأخذ مستويين: مستوى مرتبط بحياة الحزب0الداخلية: تسوية الأوضاع الداخلية في المستوى الثاني حتى نتمكن فعلاً من تحديد أولوياتنا على صعيد علاقتنا بالمجتمع وبالحياة السياسية بشكل عام. منذ انتهاء المؤتمر وحتى اليوم نكاد نكون منشغلين في إصلاح البيت من الداخل. يترافق مع هذا اهتمام بقضية الحوار السياسي مع كافة الأحزاب، لقاء مشترك أو مؤتمر شعبي عام. لكن صيغة هذا الحوار ما زلنا نبحث مع الآخرين حول كيفية الوصول إليها.
* نسب إليكم حرصكم على تلطيف الأجواء مع مختلف الأطراف، هل سينعكس هذا تضييقاً على مساحة الرأي في صحيفة "الثوري" خصوصاً أن تقارير صحفية أشارت إلى وفرة تعليمات نازلة من القيادة إلى أسرة "الثوري"؟
- أولاً في ظل غياب الحوار يسود هذا الوضع ا لذي نعيشه الآن، ليس "الثوري" فقط ولكن الصحف الحزبية بشكل عام. دعونا للحوار، ودعوتنا هذه تطرح بديلاً سياسياً وفكرياً للتقارب لأنه لا بد أن يكون هناك حوار بين الأحزاب، لم نصدر تعليمات مشددة، ولكننا نبحث عن كيفية ربط "الثوري" بخط الحزب. والخط الاستراتيجي للحزب تحدد من خلال المؤتمر، وعلينا أن نعيد صياغة عملنا بشكل عام، بما فيه "الثوري" وفقاً لهذا الخط العام. لن نلجأ إلى الاسلوب الأوامري في أي صيغة من صيغ عملنا. وسنعتمد الحوار الداخلي. «الثوري» كان عليها ضغط شديد في الفترة الماضية، ضغط سببه في تقديري عاملان رئيسيان: غياب الاشراف عليها من ناحية، ومن ناحية أخرى الخطاب الآخر تجاه الحزب الذي يفرض عليها هذا الموقف.
* تشير إلى الاشراف والخط السياسي، لكن المطلع على البيان الختامي للمؤتمر يخلص إلى أن التضارب ما يزال قائماً في الأولوليات؟
- لا أدري ما المقصود بالتضارب؟
* في الخيارات. وفي مقررات المؤتمر: دعوة للإصلاح السياسي وتمسك بإصلاح مسار الوحدة، التزام بتقوية اللقاء المشترك. واتجاه نحو الانفتاح على مختلف القوى السياسية والمؤتمر الشعبي.
- لا اعتقد أن هذا تضارب قدر ماهو تكامل في الموقف. لنأخذ أولاً العلاقة بين الاصلاح السياسي واصلاح مسار الوحدة، شعار اصلاح مسار الوحدة. تتحدث الناس عن اصلاح المسار وليس عن اصلاح الوحدة. كأن تكون لديك سيارة جديدة أو صالحة للاستعمال، ولكن الأرض غير ممهوة، هل نصلح السيارة أو نصلح الأرض؟! المطلوب اصلاح الأرض، وهذه الأرض هي بنية العمل السياسي، أي الاصلاح السياسي... حتى وإن حدث اختلاف في التأويل، يبقى موضوع حوار مستمر داخل الحزب. فيما يتعلق بالدعوة إلى الحوار والموقف من اللقاء المشترك، لا أرى خلافاً، الجميع يدعو إلى الحوار، والموقف من اللقاء المشترك سيظل نفسه في الاشتراكي، وهو أن اللقاء تجربة ناضجة وجدت كنتاج لإنتقال الأحزاب من الطابع الأيديولوجي إلى الطابع السياسي، وأدت إلى التعايش بين هذه الأحزاب.
* التقط مما تقول قراءة جديدة لمطلب اصلاح مسار الوحدة، ربما. ٍلكن من متابعتي لتصريحات أبرز المنادين به في الفترة الماضية كمحمد حيدره مسدوس، طرح المطلب ضمن صيغة حوار بين الشمال والجنوب، حتى بالنسبة للحزب الاشتراكي فإن دوره في هذه الصيغة قائم فقط بوصفه كان ممثلاً للمحافظات الجنوبية والشرقية (الشطر الجنوبي)، أي أن أدوات بحث وتنفيذ اصلاح مسار الوحدة مقصورة على نظامين سابقين ولا تتصل بالوضعية السياسية الراهنة.
- الأكثر قدرة على تحليل هذه النقطة هو مسدوس نفسه. من خلال مناقشتي مع مسدوس، أجد أن الفكرة هي اصلاح مسار وحدة، تقودنا في الختام إلى اصلاح سياسي، على اعتبار أن الخيار الوحدوي التاريخي، لا أحد يتجه في نقاشه نحو المساس به. اعتقد أن القضية لا تتعلق بالاشتراكي فقط، لكنها فيما يبدو لي، تتحول يوماً إثر يوم إلى قضية مجتمعية. على الجميع أن يبحثوا في الأسباب التي قادت إلى هذا الوضع، هل هو ناشئ عن إدارة تحتاج إلى مراجعة مستمرة، ادارة دولة أو إدارة سياسية. وفي تقديري الشخصي نحتاج في الوقت الحاضر إلى أن تبحث كل القوى السياسية هذه القضية، وتكف عن طرحها باعتبارها قضية الاشتراكي. هي ليست قضية الاشتراكي، ربما تجلياتها تبرز في الاشتراكي لأسباب معينة، لكن لابد من البحث عنها في صيغة إدارة الدولة بشكل عام.«إصلاح مسار الثوري» سيقتصر على التغيير في المنهج لا في الأشخاص
* بالعودة مجدداً إلى صحيفة "الثوري" هل ننتظر تغييرات في إطار هذه الرؤية؟
- تغييرات منهجية وليس في الأشخاص. تغييرات منهجية مرتبطة بـ"إصلاح مسار الثوري" (ضحك) بمعنى أن نحاول نحن، كقيادة عليا في الحزب، أن نخفف من الضغط عليها شوية، حتى تتمكن بالفعل من ان تلتزم منهجاً صحفياً. "الثوري" لديها كادر ممتاز يستطيع أن يرتقي بها إلى مستوى أجمل وأرقى في حال حظيت بعناية من قيادة الحزب.
*الامين العام السابق علي صالح عباد "مقبل" لم يكتف بعدم الترشيح لموقع الامين العام، بل أمتنع أيضاً عن الترشح للمكتب السياسي. أعرف أن له كلمة نافذة في الحزب إلى حد كبير، ما الدور المتصور ان يضطلع به في المرحلة المقبلة؟
- بالتأكيد سيظل له دور في الحياة السياسية، في الاشتراكي وفي الشأن العام، وأرى أنه آن الأوان أيضاً أن تكرم الدولة هذا المناضل الشجاع.
* فيما يتعلق بقيادات الخارج، عايشت تقدماً في الحزب فيما يتصل بوضعية الداخل والخارج، عقب المؤتمر الرابع، هل ستشهد هذه الوضعية تحولاً جوهرياً في موقع ودور هذه القيادات داخل الحزب أو في الحياة السياسية عموماً من خلال مزيد من التطبيع في الحياة السياسية؟
- لا أتوقع تحولاً جوهرياً. في المؤتمر الرابع راعى الأخوة (في الداخل) ظروف إخوتهم في الخارج، على قاعدة "لا يجمع الله بين عسرين": التشرد والنسيان. تكرر الأمر في المؤتمر الخامس. لكن أي دور لهم في الحياة السياسية مرتبط بقدرتهم على العودة إلى الداخل، إذا تمكن أي أخ منهم من العودة إلى الداخل، لأننا نعتقد أن هذا خيار شخصي، سيكون له دور بالتأكيد.
* هل تلقيت عقب المؤتمر إتصال أو مواقف منهم، سواء من علي سالم البيض أو حيدر أبو بكر العطاس؟
- لا، لم أتلق أية اتصالات.لاأستطيع أن أدخل ذهن الرئيس لأرى گيف يفگر في موضوع الانتخابات الرئاسية المقبلة
* ولا حتى لغرض التهنئة؟
- بعضهم لا يجد فرصة للإتصال، ومن يجد فرصة يقول مبروك، فأقول له أدعُ لي.
* ألا ترى لوجودك في موقع الأمين العام إشارة ما على تحول قادم في وضعهم، أو على الأقل في علاقتهم بالخط السياسي للحزب؟
-أعتقد أن القضية شخصية أكثر منها أي شيء آخر. لا أرى دلالات معينة، لأن العودة إلى النشاط السياسي مرتبطة بقناعة الانسان.
* أحزاب اللقاء المشترك كان لافتاً ارتياحها من نتائج المؤتمر الخامس للحزب، على الرغم مما يظهر، لي على الأقل، من ارتباك في نتائج المؤتمر، من شاكلة تجاور قضايا اصلاح مسار الوحدة والاصلاح السياسي، كيف تتصور موقع اللقاء المشترك في الحياةالسياسية في الفترة القادمة؟
- أعتقد بضرورة تعزيز دور اللقاء المشترك في الحياة السياسية، الأصوات التي ترى أن لا لزوم له، أو أنه يستهدف الاخلال بالحياة السياسية، بهذا القدر أو ذاك، لا أتفق معها. اللقاء المشترك، من زاوية نظري الشخصية، يؤكد أن الأحزاب (المنخرطة فيه) التي كانت أحزاباً أيديولوجية لا تقبل (التعايش) فيما بينها، تتحول الآن تدريجياً إلى أحزاب سياسية. وهذا انجاز سياسي بما لا يقاس، محسوب للجميع، ليس فحسب لهذه الأحزاب، بل للحياة السياسية. والجميع يجب أن يفخر بهذا الوضع. يتحدث البعض عن اللقاء المشترك كأنه تحالف... هو ليس كذلك، فشروط وقواعد التحالف تختلف بشكل كبير عما يجمع اللقاء المشترك، اللقاء يجمعه شيء واحد، وهو تعزيز الخيار الديمقراطي والانتصار لهذا الخيار، لا أكثر ولا أقل، واذا استطاع ان ينتص للخيار الديمقراطي فإنه سيحقق مكسباً للحياة السياسية. هو ليس لقاءً ضد أحد، بقدر ماهو عامل مساعد لترشيد الحياة السياسية. لنا أن نتخيل الآن لو أن هذه الأحزاب ظلت على وضعها القديم لشهدها كارثة سياسية.
* تعزيز الخيار الديمقراطي مدعاة لاصطفاف، خصوصاً في المواسم الانتخابية، ونحن على مبعدة عام من الانتخابات الرئاسية، ألا تستدعي تعزيز صيغة اللقاء المشترك؟
- قبل التعزيز، مطلوب أن يكون للقاء هوية. بمعنى أن يتجاوز حالة القلق المثارة حوله، من ناحية. ومن ناحية ثانية (الكف) عن التطلع خارج حدود الممكن. ونقول هذه هويتنا سواء عبر برنامج أو مبادرة اصلاح أو غيرها. إلى أين ستصل الأحزاب بشأن تطوير الصيغة الحالي؟ هذه مسألة سابقة لأوانها. لدينا مهمة تتقدم عليها في الوقت الحاضر، وهي أن يكون لدينا نظام سياسي قابل للتداول السلبي على السلطة. وهذه مهمة نضالية أساسية قبل التفكير بأي شيء آخر.
* لكن قد يفهم من هذا الرأي على أنه تعطيل أو تعليق المهام والمشاركة السياسية وفي الانتخابات فيما يشبه مطلب اصلاح مسار الوحدة.
- ليس تعليقاً. هذه استحقاقات وطنية لا يستطيع أحد أن يعلقها، لكن المهم ألا تكون الانتخابات شكلية، بل معززة للمسارالديمقراطي. هذا يسبقه ان يتفاهم (الناس) على أن هناك حاجة لاصلاح سياسي، بمعنى أن يصبح تداول السلطة ممكناً. هذا ما قصدته، لكن لو جاءت الانتخابات قبل تحقيق ذلك، فهذا لا يمنع أن يشاركو الناس في الاستحقاق الوطني.
* هل تندرج مبادرة اللقاء المشترك للاصلاح السياسي في هذا السياق؟
- لم أطلع على المبادرة حتى الآن لكن أن تكون لدى أحزاب اللقاءالمشترك مبادرة فشيء طيب، فهي ستمكنها على الأقل من دعوة الأطراف الأخرى للحوار على أساسها، فلا يكون "الحوار في الهوا". مع ذلك لا يعني أن يتعامل أي طرف مع أية مبادرة (تصدر منه) على أنها بقرة هندوس، لكن المبادرة تعكس هوية الطرف الذي طرحها.
* قيادات في بعض أحزاب اللقاء تعزو تعثر انجاز هذه المبادرة إلى حزبي الاشتراكي والناصري، فيما يخص الاشتراكي عزتها إلى ظروف الاشتراكي قبل المؤتمر، وبالنسبة للناصري بسبب اتجاهه إلى تقديم مشروعه للاصلاح أولاً طبق قرار مؤتمره العام. كيف يتعاطى الاشتراكي الآن مع هذا البند؟
- الاشتراكي علق قبل المؤتمر تفاعله مع هذا الموضوع بقرار (يجب أن يصدر) من لجنته المركزية، المؤتمر جاء كمرحلة جديدة, ولم تعد القيادة الجديدة ملزمة بالقرارات السابقة. القيادة الجديدة (المكتب السياسي) عليها الآن أن تقف أمام هذا الموضوع وأن تقرر هل تعود إلى اللجنة المركزية أم لديها صلاحيات التصرف حياله. &< لكني سمعت من عضو في المكتب السياسي الجديد أن البت في الموضوع من صلاحية اللجنة المركزية؟ - ليس صحيحاً، ذلك كان قبل المؤتمر. المؤتمر جاء ليضع صيغة جديدة لعمل الهيئات، وهي على وشك أن تقر برنامجها سواء على مستوى المكتب السياسي أو الأمانة العامة. ولا بد أن تؤخذ هذه الأولوية (انجاز مبادرة الإصلاح) بعين الاعتبار. أنا شخصياً لا أحبذ أن يطول الفراغ السياسي الراهن.
*في هذه الحالة يفهم أن المكتب السياسي هو هيئة القرار؟
- نعم، وأنا شخصياً لست مع ربط اللقاء المشترك بتعقيدات تحد من تقدمه نحو الأفضل.
* أنت، إذاً، وكما أسمع الآن، تعطي الأولوية للاصلاح، وتالياً للإنتخابات الرئاسية؟
- أولولياتنا على صعيد الحزب تحدثت عنها سابقاً. لكن قد تبرز أمامنا أولوليات أخرى عندما اقرار برامج الدوائر المتخصصة. لا شك أن أولويات الحياة السياسية في الوقت الحاضر تفرض نفسها على الجميع.
* الانتخابات الرئاسية مقررة بعد سنة من الآن تقريباً، واجرائياً لدينا حزبان يقبضان على مسارها، هما المؤتمر الشعبي العام (الحاكم) والتجمع اليمني للإصلاح، ألا توافق بأن على أحزاب اللقاء المشترك أن تحسم مبكراً مصير مشاركتها فيها، من خلال ضمانات من الاصلاح بتزكية مرشح المعارضة؟
- هناك فرق بين ما يرغب به الانسان وبين ما تقره الهيئات الحزبية كإستراتيجية.
* كيف؟
- أنا لا أريد أن اتحدث معك فيما أرغب به. لو كنت سألتني قبل المؤتمر كنت سأطلعك على رغبتي. الآن ما رؤية الحزب حيال هذا الموضوع؟ نحتاج نناقشها ونفكر فيها ونرى. لا شك أن هذه القضية ستبحث بالتفصيل. (أضاف باسماً) وفي لقاء قادم معك سأطلعك على رؤيتنا.
* لكن الرأي العام المعارض يعوَّل على حزبي الاشتراكي والاصلاح؟
- على الحزبين وليس على الأفراد. ولذلك فإن المطلوب من الحزب أن يقول ماهي استراتجيته.
* يعني لم يبحث هذا الموضوع بعد؟
- بالضبط.
* كم سيستغرق برأيك وقتاً؟
- مشكلتنا نستعجل أحياناً في أمور. الوقت يتوقف على استقرار نشاط المكتب السياسي خلال الشهرين القادمين.
* على ذكر الانتخابات الرئاسية المقبلة، هل حصل اتصال بالرئيس عقب المؤتمر؟
- حصل لقاء بالرئيس.
* كيف تصف أجواءه؟
- ودية وطيبة. تحدثنا عن مشكلة مقرات الحزب، والأخ الرئيس أعطى توجيهات واضحة فيمايتعلق بمقر الحزب في أمانة العاصمة، وأوكل مهمة النظر في مقرات الحزب لهيئة أراضي وعقارات الدولة. وفعلاً جلسنا مع الأخ يحيى دويد (رئيس الهيئة)، ونأمل أن نلتقي ثانية بعد أن يستكمل هو البيانات الخاصة بمقرات الحزب في مختلف المحافظات. أما مقر العاصمة فما نزال نتابع الأمر مع وزير النقل.
* هل كانت في حوزتكم عند اللقاء بالرئيس قائمة بالمقرات والممتلكات التي تطالبون باستعادتها، فالعادة جرت على أن يطرح هذا المطلب من دون تعيين؟
- بدرجة رئيسية انصب اهتمامنا على مقر نشتغل فيه، لأن المقر الحالي غير صالح للعمل، لا توجد فيه مكاتب وظروف العمل فيه صعبة. وقد وجه الرئيس أيضاً بصرف 10 مليون ريال لترميم المقر الحالي.
* ألا ترى في هذه التوجيهات بادرة ارتياح رئاسي من نتائج المؤتمر؟
- المؤتمر الشعبي العام عبَّر عن ارتياحه لنتائج المؤتمر، وتسلمنا برقية تهنئة من الأخ عبدالكريم (الإرياني) المتواجد في الخارج.
* دعني ألفت إلى تأويل آخر لهذه البادرة، في كلمة مقبل في افتتاح المؤتمر، أشاد بمبادرة الرئيس بعدم الترشح في الانتخابات الرئاسية المقبلة, ودعا إلى عدم التراجع عنها، في حين أن البيان الختامي للمؤتمر لم يشر مطلقاً إلى هذه النقطة.
- (ضاحكاً)، لا، لا. إذا فهمت السؤال كما أردت أن يكون، لا أستطيع أن أدخل في ذهن الرئيس لأرى كيف يفكر, نحن في بيان المؤتمر نظرنا إلى المسألة من زاوية أخرى، قلنا أن البلد تحتاج بدرجة رئيسية إلى اصلاح الدولة، حتى تكون قابلة فعلياً للتداول السلمي للسلطة. هل تعتقد أنت أن الرئيس أعطانا 10 مليون وتوجيه بالمقر لأننا سكتنا عن هذا الموضوع؟
* لا أعتقد. (نحن نتبادل الأدوار الآن بسؤالك). لكن أقول بوجود توقعات لدى الرئيس بأن يكون خطاب الاشتراكي أقل حدة.
- (ضاحكاً) قد يكون سكوتنا يتعارض أيضاً مع رغبة الرئيس.
* سكوتكم عن ماذا؟
- سكوتنا في البيان.
* بشأن مبادرة الرئيس عدم الترشح للرئاسة، استمعت من زوار وديبلوماسيين غربيين، ما مفاده انها تمثل فرصة سانحة، للمعارضة لتثمير مترتباتها.
- الرئيس رمى حجراً، ولا أدري أية سمكة ستتلقف الحجر، لكن الحجر بالتأكيد لن يغوص إلى قاع مجهول.
* الا يكون الاشتراكي هذه السمكة؟ أو ماذا تقصد بالضبط؟
- لا أدري أية سمكة، لكني متأكد بأن هذا الحجر لن يغوص إلى الاعماق ويستقر في مكان مجهول.
* تقصد حجراً أم طعماً؟
- حجر حجر (ضاحكاً) حجر ثقيل. أريد أن أقول إن معرفتي بالرئيس إنه لا يريد أن يقول أنا ومن بعدي الطوفان. القى حجراً في تقديري الشخصي لتحريك الحياة السياسية، من سيتلقفها؟ لاادري.
* يبدو ان الذي تلقفها حزب الرئيس (المؤتمر الشعبي) الذي ينهال الآن بالمناشدات للرئيس بالاستمرار.
- المؤتمر الشعبي لم يتلقفها. إنه يحاول أن يعيدها من جديد إلى خارج البحيرة، وهذا صعب لأنها خلاص قد غاصت في البحيرة.
* هذا ضرب من التفاؤل. هل ترى في هذا الحجر فرصة لإعادة ترتيب صيغة الحياة الحزبية، سلطة ومعارضة، في المرحلة القادمة، فتكون مدخلاً لتفاهمات وتثبيت أسس معينة للتحول الديمقراطي؟
- دعني أقول واحداً من التفسيرات لما يجري، هو أن الجميع، بدءاً من رئيس الجمهورية، يرغب في تحسين الحياة الديمقراطية، قد تكون مبادرة الرئيس واحدة من الدعوات. وتقديري أن أطراف الحياة السياسية إذا لم تتمكن من الوصول إلى صيغة تؤمن المسار الديمقراطي، فإن المستقبل سيأتي بما هو أخطر.
* تقديرك أن تحدث عواقب وخيمة للارتجال الراهن في الحركة السياسية؟
- بالضبط. واعتقد في اللحظة الراهنة أننا في مفترق طريقين: إما أن نتعامل مع معطيات الواقع بطريقة تمكننا فعلاً من تعزيز الخيار الديمقراطي، أو أن نسلك طريقاً آخر، الطريق العبثي الذي سيقودنا إلى مزالق تؤدي إلى آثار سلبية فادحة على الحياة الديمقراطية.
* انت ترى حسبما أسمع منك الآن أن الموقع التنفيذي الأول في الدولة، غير مهيأ لتداول سلمي؟
- أنا أقول (مؤسسات) الدولة بشكل عام، وليس الموقع التنفيذي الاول فقط، ليست مهيأة لتداول سلمي للسلطة. التداول السلمي له شروط، هذه الشروط مسؤولية الجميع توفيرها. هيكلية الدولة كما بنيت في ظروف معينة لا نريد أن نتوهم أنها قابلة لاستيعاب متطلبات الديمقراطية. هي تتعامل مع الحياة الديمقراطية كما تريد: إما للزينة، أو لتتمكن من معالجة بعض قضايا الحياة بهذا القدر أو ذاك. لا أريد أن اتحدث عن شهادات خارجية، لنبقى في الداخل، في مجتمع مثل المجتمع اليمني يكثر الحديث عن الديمقراطية، وعند مستوى معين نجد ان كل هذا الحديث عن الديمقراطية وجع رأس ليس له أي صلة بالواقع، اخشى في هذه الحالة أن يكون البديل هو العنف. والعنف في مجتمعات تعيش ظروفنا لا يمكن أن يمارسه فقط المعارض السياسي، بل يمكن ان تحارسه الدولة.
* أذا استدعينا الخارج والمانحين، هم يركزون على الجانب الاجرائي. على سبيل المثال في الانتخابات يشددون على الشفافية والتنافسية: في المرشحين والبرامج. وفي الانتخابات الرئاسية على وجه خاص يركزون على تفاصيل كثيرة حتى على مستوى تدريب صحفيين يمنيين على تغطيتها كما في برنامج دعم بريطاني. لعلَّهم اكثر حساسية تجاه هذه الاستحقاقات من أحزاب المعارضة، ألا تخشون أن يُعد ذلك قصوراً في تكيف المعارضة مع اتجاهات الخارج، وتفويت فرصة دعم خارجي للانتخابات يصب في صالح المعارضة؟
- يبدو لي، أولاً، أن الخارج يصحح موقفه تجاه البلدان المتخلفة، وهذا شيء طيب. هذا الخارج ظل إما سلبياً أو يقف على الضد من التحولات الديمقراطية، ظل يدعم السلطات المستبدة في الوطن العربي بشكل عام، أن يصحح موقفه الآن فهذا شيء جيد، ونرحب به. ثانياً، الخارج يتجه إلى دعم تقني. هو مقتنع سياسياً (بضرورة) التغيير، لكنه لا يستطيع أن يعلن ذلك، فيلجأ إلى الدعم التقني، وهذا مفيد. لكن الجميع يدرك ان المسألة ليست تقنية في ظروفنا، التقنية جزء من المسألة. فهو (الخارج) يعبَّر عن موقفه إزاء الدعوة إلى حياة ديمقراطية بالجانب التقني، وهذا شيء جيد. لذلك أعتقد أن الحساسية تجاه الخارج التي تثار أحياناً، لها عامل تاريخي ناشىء من الموقف السابق للخارج تاجا تطلعات شعوب المنطقة. حقيقة، اليوم وبالأمس أيضاً، لا أستطيع أن اتحدث عن داخل وخارج، أنا أعتقد بوجود شراكة عالمية، ما حدودها؟ المسؤول عنها ليست الشعوب، بل الانظمة هي التي قدمت نفسها كأنظمة ضعيفة وسمحت بالتدخل القوي، لا يجوز أن تأتي الآن لتقول للمعارضات في البلدان العربية أنتم تفرطون بالسيادة الوطنية.
* أصوات ديبلوماسية تمثل الخارج (الغربي) تطرح بوضوح أنها تنتظر من المعارضة تقديم برنامج جاد ومرشح جدي، لتحظى الانتخابات الرئاسية باهتمام قوي من الخارج.
- ليس كل ما يطرحه سفير أو قائم بأعمال يجب أن يؤخد مأخذ الجد. علينا أن نوجد استراتيجيتنا الخاصة التي تراعي ظروفنا وواقعنا، وتراعي احتياجاتنا على المدى المنظور والمتوسط والبعيد. اذا توفرت هذه الاستراتيجية فإن أحزاب المعارضة ستستطيع أن تسهم بفعالية في الحياة السياسية.
* يعني الأولويات والمهام شؤون تحددها المعارضة؟
- بالضبط. على أني أعود وأقول إن إهتمام الخارج بالتحولات الديمقراطية في بلادنا شيء ممتاز.
* في لقائكم بالرئيس، هل أثير موضوع رغبة الرئيس في عدم الترشح؟
- لا، إطلاقاً.
* في البيان الختامي أشير لقراري مجلس الأمن بشأن حرب صيف 1994، واللافت أن ذلك لم يثر حساسية في السلطة، بإستثناء بعض التعليقات الطفيفة، وحتى المجهَّلة غير المنسوبة لأي مسؤول،ماتفسيرك لرد الفعل هذا، غير المألوف؟
- يجري الحديث عن هذه القرارات دائماً، ولكن على هامش الحياة السياسية.
* قد أعزو ذلك إلى أن الاشارة اليها جاء توطئة لطرح مطالب محددة، وليست مطلباً في حد ذاتها.
- أعتقد أن من الواجب ألاَّ نحمل الأمور أكثر مما تحتمل. عندما يحدث ذلك يبدأ التفسير الأوسع والأبعد لنصل في الأخير إلى أن نقول شمال وجنوب... قلت من البداية أن الحزب الاشتراكي لن يكون حاملاً لمشروع خارج الهم الوطني العام. لا (ينبغي أن) تجرنا الوقائع إلى ماهو دون الهم الوطني العام. إذا اصرت الوقائع والأحداث، كما تجري اليوم، أن تجر الناس إلى ماهو أقل من الهم الوطني، فأنا أعتقد أن المشكلة ستكون كبيرة للجميع.
* طرحت سؤالي لأنني أظن أن قرارات مجلس الأمن لم تشر إليها، لا في المؤتمر الرابع (2000) ولا في بيانات اللجنة المركزية بين المؤتمرين.هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى في إثارة لها من قبل معارضة الخارج.
- هذا نوع من الإبداع (ضاحكاً).
* عمل إبداعي هو، إذاً. على ذكر الحرب، المؤتمر ألزمكم في أحد قراراته بمتابعة ملف صالح منصر السيلي، (مصير مجهول)، ما الذي يمكن أن تفعله قيادة الحزب بهذا الشأن وبأية آليات؟ وهل لديك معلومات خاصة لهذا الملف؟
- ليست لدي معلومات. وضع الأخ صالح منصر مأساوي، وبسبب ذلك طرح امكانية البحث إذا في معلومات....
* يعني أن القرار لن يتنزل على صيغة آليات، أو احالته إلى لجنة خاصة؟
- هو لم يبحث حتى الآن بالتفصيل. طرح كهم من هموم أعضاء الحزب، فالسيلي قيادي في الحزب مصيره مجهول. لكن ماذا لدينا من آليات (حتى ننفذ القرار).
* في المقام الأول أنتم كقيادة ملزمون بقرار المؤتمر؟
- نحن ملزمون بالبحث في صدد ما يسمح به الحال. لكن اذا توفرت الظروف (عن مصيره) يصبح من ناحية اخلاقية، البحث عنه في آليات ضرورة.
* يمكنكم الاستعانة بمكاتب تحقيق خاصة (قلت له ملاطفاً). ... لنتحدث عن تمثيل المرأة في حزبكم، البيان الختامي ركز على قضايا المرأة وفيه تخصيص نسبة 30% لها في هيئات الحزب وفي الهيئات العامة. واضح أن النسبة لم تتحقق في اللجنة المركزية أو في المكتب السياسي..!
- في اللجنة المركزية تمثلت المرأة بنسبة طيبة...
*بصرف النظر عن تمثيلها في الهيئات المنتخبة، هل ستراعى هذه النسبة في تشكيل اللجان الداخلية للحزب؟
- أقول أولاً إن الموقف من المرأة ليس مجرد مزاج، هو موقف ثقافي.بمعنى أنه لا يمكن أن يتميز فيه الاشتراكي عن الآخرين، إلا بمقدار ما يتميز به ثقافياً تجاه قضايا مختلفة أخرى. دلالة ذلك اننا عندما اجرينا انتخابات حرة للمكتب السياسي طلعوا ثلاث فقط. يعني عقل الرجل هو عقل الرجل، يمكن أن يستمر لمدة يوم في الكلام عن حقوقها لكن عند عملية الاختيار يضع نفسه في المقدمة وبعدين يفكر (في تمثيلها). نحن في الاشتراكي نواجه اشكاليات في قطاع المرأة، صحيفة "الثوري" لا يوجد فيها باب خاص بقضايا المرأة.. لا بد من التعامل مع هذه المسألة بموضوعية مش مجرد كم نطلع في الهيئات.. لابد أن ننتقل من العمل الدعائي والاعلامي إلى العمل المعبر حقيقة عن هذا الكيان الاجتماعي الذي يشكل نصف المجتمع. فالحزب الاشتراكي لا يواجه مشكلة نفسية أو ثقافية في هذا الخصوص، لكنه يواجه مشكلة في الممارسة.
* ألا يمكن عزو ضعف تمثيل المرأة في الحزب وحتى حضورها في القرار والتخطيط إلى نتائج الحرب، والمتغيرات التي طرأت في البنية الوطنية، على الصعيدين السياسي والاجتماعي وحالة الهزيمة التي عاشها الحزب وجمهوره؟
- هذا جانب، وواضح أن الاشتراكي واجه بعد الحرب تعقيدات وصعوبات، ليس فقط الاشتراكي ولكن الحياة الاجتماعية بشكل عام. الجانب الآخر أن المرأة تمتعت (في الجنوب) بالحق الكامل في العمل، وفي الترقي، لكن إلى مستوى معين، يحدث أن يكون هناك وزيرة، وأحياناً لا يوجد. وضعها في الجانب الاجتماعي، مثلاً من خلال قانون الاسرة الذي كان قانوناً راقياً، كان معالجاً (بشكل متقدم). في الجانب السياسي كانت الحياة السياسية بشكل عام «مكلفتة» ليس فقط فيما يخص المرأة، وانما أيضاً بالنسبة للرجل. ماذا حدث لاحقاً؟ النظام الاجتماعي الشامل على مستوى اليمن ككل هو الذي ساده. وهنا أذكر أن القوانين التي عالجت هذا الأمر بعد الوحدة كانت جيدة إلى حد ما، لكن الجانب الاجتماعي تغلَّب، وكان أقوى من القانون. وأشير هنا إلى حالة التناقضية بانسياق المرأة وراء الدعوات المحافظة لبقاء المرأة في إطار تأدية وظيفة اجتماعية محددة. المرأة لم ترفد دعوة حرية المرأة، كما لو كانت هذه الدعوة تلقي عليها المسؤولية في تحمل مسؤولية نفسها.
* وخروجها إلى بيئة غير آمنة؟
- بالضبط، هذه هي القضية الرئيسية.
* لكن على المستوى الحزبي الداخلي هل ستلتزمون النسبة المطروحة؟
- أمامنا طريقان إزاء هذه النسبة: إما أن نسير في تحقيقها بشكل تعسفي إرادوي أو نطرحها كهدف نصل إليه عبر مزيد من التثفيف والتوعية، واعتقد أن الاتجاه الثاني هو الأفضل.
* لست متأكداً كيف تعقدون اجتماعات المكتب السياسي والأمانة العامة، هل تتم في مقيل..؟
- الوضع الطبيعي أن يجتمع المكتب السياسي اجتماعاً رسمياً بدون مقيل، لكن بعدين إذا في مشاروات غير ملزمة، تعرف أن المقيل يفسخ بعض الأمور...
* معنى هذا أن المرأة ستكون مقصاة دائماً؟
- لن تعدم الوسائل، واعتقد ان الاجتماعات الرسمية هي الأساس.
* في موضوع وحدة القرار والتنفيذ داخل الحزب، في هيئات القرار الحزبي لوحظ في الفترة الماضية أن تيار "اصلاح مسار الوحدة" المتواجد داخل هذه الهيئات كان يشارك في عملية صنع القرار، لكنه كان يتراءى في نشاطه الخارجي -خارج الحزب أقصد- غير ملتزم بالقرار الحزبي، مايظهر الحزب للصحفيين والمعلقين والمهتمين وكأن الحزب منتدى وليس حزباً يتخذ قراره بآليات ديمقراطية، الأقلية فيه تلتزم قرار الأغلبية. هل ستستمر هذه الحالة أم أن استيعاب رؤى التيار في مقررات المؤتمر سيجنبكم إياها؟
- أولاً نحن نحاول قدر الامكان ان نحافظ على التنوع داخل الحزب، ومن خلال الديمقراطية. لا نريد استخدام الديمقراطية، بأية صيغة من الصيغ، لإقصاء أي رأي آخر، طالما أن هدفنا واحد. السؤال المهم: كيف يتم التعبير عن هذا التنوع، داخل الهيئة أم خارجها؟ الوضع الطبيعي أن يعبَّر عنه داخل الهيئة، ورأي الأغلبية هو المخرج إلى الحياة العامة. خلال الفترة الماضية أعتقد أنه وجد ما يشبه المنبر. ليس فقط التيار، وانما شخص معين، اذا لم يعجبه قرار معين يخرج ليعلن أن رأيه كان كذا وكذا... ذلك لا يعني أن لا يلتزم قرار الأغلبية.
* من غير أن يعمل ضد هذا القرار؟
- لا... من حق أي تيار أو أي شخص أن يطلع الناس على رأيه. عند هذا الحد اعتقد ان الأمر مقبول. لا مانع من اطلاع الناس على الرأي (الذي يعبَّر عن الأقلية) لكن التزام الناس برأي الأغلبية.
* مع ذلك في حالات معينة ذات حساسية عالية، في علاقات الحزب بأحزاب أخرى، فإن خروج واحد من الهيئة ليعبر عن موقف نقيض، ينطوي على تصعيد ويثير التباسات، ألا يؤدي ذلك إلى تعطيل قرار الأغلبية؟
- الذي يتكلم عن رأي آخر خارج الحزب يتحول من حزبي إلى كاتب. كحزبي عليه أن يلتزم بالقرار.
* وفي حال كان هذا الحزبي في موقع قرار ولم يكتف بالتعبير عن حقه في إعلان رأيه بل امتنع أيضاً عن تنفيذ القرار؟
- من حقه أن يطلع الناس على رأيه وفي هذه الحالة يتحول إلى صاحب رأي. مع ذلك فالنظام الداخلي لم يعالج هذه النقطة.
*كنتُ شددت في مداخلة عن النظام الداخلي (العام الماضي) أهمية حسم هذه الاشكالية.
- أوافقك في هذا. يجب أن نراعي مسألة واحدة, المركزية في أحزاب الأمس لم تعد صالحة لأحزاب اليوم. أحزاب اليوم احزاب سياسية، وما يجمع الناس هو البرنامج السياسي، ولا يوجد مانع أن يكون لعضو الحزب آراء متمايزة ورؤى مختلفة، هذه قيمة الحزب السياسي. الحزب السياسي يتطلب نظاماً مغايراً للحزب الايديولوجي... الأنظمة الداخلية التي نصوغها تلبي حاجة حزب سياسي أوايدلوجي في آن. لا تزال تجمع بين انشدادنا للبنى (الحزبية) القديمة وما بين متطلبات الحزب السياسي.
*كررت كثيراً، وبشكل سلبي، وصف الحزب الايديولوجي، ألم تعد للحزب ايديولوجية حاكمة؟
- لا، الأيديولوجية التي أتحدث عنها هي الايديولوجية بمعنى الدوجما... الدوجما التي تعني رفض الآخر.
* لا تقصد الفكرة؟
- كلا. أنا، كحزب، لدي فكرة، لكنها ليست دوجما أريد فرضها على الآخر.
* أخلص إلى أنك بوصفك أميناً عاماً جديداً، جاهز نفسياً وذهنياً لاستيعاب طريقة وآليات تعبير تيار اصلاح مسار الوحدة عن توجهاته؟
- ما أريد أن أقوله أنه لابد من أن ندير تنوعنا واختلافنا بشكل ديمقراطي. والديمقراطية ليست سحق الرأي الآخر بأية صيغة من الصيغ. المطلوب ترشيد الموقف تجاه الرأي الآخر، ومطلوب من الرأي الآخر أن يرشد موقفه. الشيء المهم أن الناس عندما يقبلون أن يكونوا معاً في حزب واحد، لابد أن تجمعهم اهداف معينة، حد أدنى على الأقل. أعتقد أن الحد الادنىمن الأهداف متوفرة لذلك اعتقد أن هناك امكانية للحوار والتفاهم, وإذا بقيت مساحة معينة من الاختلاف فلتبق شريطة ألا تؤثر على نشاط الحزب.نحن لا نريد إنتاج أزمة داخل الحزب بنفس الطريقة التي كانت (معهودة) في السابق، أي نقود عملنا الحزبي والسياسي نحو مآزق. أحياناً يفكر البعض أن الحزب يمكن أن يتوحد... مع صمته إزاء قضايا معينة، يجمدها ويظل موحداً. ليست هذه الوحدة التي نريد.. نريد وحدة ديناميكية، بمعنى أن تتفاعل مع قضاياها، وأن تختلف. توجد وحدة من نوع آخر، وحدة استاتيكية جامدة، هذه لا نريدها.
* عدا مترتبات الحرب، ومصادرة مقرات الحزب، لديك " وديعة" من الأمين السابق (مقبل)، الذي استضاف في مكتب الأمين العام أسرة تحرير "الشورى" بعد نفيها من مقر الصحيفة. كيف تتصور معالجة وضع "الشورى" خصوصاً وأنه في بعد شخصي، إذ صار من غير الممكن أن يزورك المرء في مكتبك؟
- نحن عملنا بأًصلنا في التعامل مع حزب سياسي يواجه مشكلة، وهذا موقف محسوب للحزب كما أعتقد. قضية "الشورى" لا يحلها مكتب (أمين عام).. أرى أنه لابد ان يقف اللقاء المشترك والمؤتمر الشعبي العام وقفة صحيحة تجاه المخاطر التي تتعرض لها الأحزاب السياسية. وبالنسبة للمكتب، أقول إن أي حزب يواجه مشكلة (مماثلة) فليأت عندنا، على قلة المكاتب التي في حوزتنا.
* سمعت أمس أن أعضاءالمكتب السياسي السابق الذين انتخبوا مجدداً، استمروا في المكاتب المخصصة لهم من الفترة الماضية، على ما يبدو فانك تريد اخراجهم من مكاتبهم بأي ثمن.
- (ضاحكاً) بالطبع، لأنه لو حصلت مشكلة لأي حزب آخر، فإن الحل هو استضافتهم في مكاتب هؤلاء.
* كيف قرأت تفاعل الصحافة وتعاطيها مع مؤتمر الحزب الاشتراكي؟
- لاحظت تفاعلاً كبيراً. وبعض ما كتب بأسلوب نقدي يجب أن نستفيد منه. جزء كبير منه صحيح، وبعض الكتابات بالغت في الإشادة، وبالنسبة لي شخصياً وجدتها مخيفة.
* تقصد عكست صورة وردية عن المستقبل؟
- نعم. الواقع معقد ويحتاج إلى خطوات قوية وثابتة. الحياة الساسية عموماً ليست تلك الحياة الوردية، لا يصنعها حزب ولا أفراد، هي مهمة يضطلع بها الجميع. الاشادات تخوفنا، والنقد الذي يجتر الماضي يصيبنا بالإحباط. لكن هناك كتابات في (منطقة) الوسط اتاحت لنا أن نقرأ انفسنا بشكل صحيح وواقعي، هذه الكتابات استفدنا منها وسنستفيد منها، ومن ضمنها ما نشر في "النداء".
* المحنا في "النداء"، فيمايشبه الاقتراح عليك، أن تستعين بناس من منطقتك (شعب، التي اشتهرت بعمالها الماهرين في صف الحروف). وأنت ترتب للأولويات الواردة في البيان الختامي للمؤتمر هل أنت في وارد الأخذ به؟
- هذه لقطة جميلة من "النداء" لأنها قرأت تاريخياً دور هؤلاء الناس في الصحافة، كانت "فتاة الجزيرة" وغيرها من الصحف الصادرة في عدن قبل الاستقلال، بدأوا يشتغلون فيها، وهم من منطقة وادي شعب، وفي آواخر السبعينات تحولوا إلى الصف الآلي. وهم يستحقون التكريم من نقابة الصحفيين، لأنهم أول من وضعوا قواعد للعمل الصحفي.
* هل تخطر في بالك اسماء معينة؟
- الأسماء كثيرة. منهم من توفي وبعضهم كبار في السن،لكنهم في تقديري الشخصي يعتبرون متحف الصحافة اليمنية.
* ممكن أن تزودنا بأسماء معينة؟
- سعيد راوح، مقبل راوح، محمد جازم، قايد قادري علوان، عبده نعمان، يوجد كثيرون وكلهم من منطقة واحدة، محمد سعيد محسن، واعتذر لأني لم أذكر جميع الأسماء. إذا أنت مهتم بنشر اسمائهم ممكن أزودك بها لاحقاً.
* شكراً جزيلاً.

يريدون أن يشارك الأقباط كمواطنين لا كأقلية، وينتقدون الانتقائية الأميركية..القيادي الإخواني عصام العريان لـ(النداء): الانتخابات أظهرت فشل النظام الحزبي


حوار: سامي غالب
21/12/2005
 
قال القيادي في جماعة الإخوان المسلمين في مصر (د.عصام العريان) أن الإخوان يعتبرون هذه المرحلة مرحلة تغيير واصلاح، ولابد أن تبدأ بفترة انتقالية تؤسس لحوار وطني يؤدي إلى وفاق وطني واتفاق على اجندة الاصلاح وبرنامج زمني لإصلاحات دستورية وسياسية.
وفي الحوار الذي أجراه معه في القاهرة الزميل سامي غالب – رئيس تحرير صحيفة النداء الأسبوعية- أكد العريان أن الإخوان المسلمين ليسوا بصدد تنازع على سلطات مع الحزب الحاكم، وأستدرك "لكننا نطالب بحقوقنا ككتلة برلمانية من 88 نائباً من حقنا أن يكون لنا تمثيل داخل هيئات المجلس، وإن كان ليس من حقنا أن يكون رئيس المجلس منا".
وتوقع القيادي الإخواني زيادة عدد مقاعد الإخوان من خلال فوزهم في الدوائر التي تم تأجيل الإنتخابات فيها, مشيراً إلى أن "عدد مقاعد هذه الدوائر يصل إلى أكثر من 15 مقعداً، اعتقد في حال إعادة الانتخابات فيها فإن الشعب سيقول كلمته لصالحنا".
الى الحوار ومقدمته التي كتبها الزميل غالب:
 
كانت نتائج المرحلة الثالثة والأخيرة من الانتخابات النيابية المصرية قد أعلنت انتزاع "الاخوان المسلمين" قرابة خُمس مقاعد البرلمان الجديد، لكن مكتب المرشد العام للجماعة بدا لي، ساعة زرته الاربعاء الماضي، غرفة عمليات انتخابية.
أشخاص من أعمار مختلفة، و لكن من جنس الذكور فقط (فالمرأة الاخوانية التي هزت شارع السياسة المصرية طيلة أسابيع لا تظهر في الصورة هنا) في حال انكباب على وثائق وسجلات وعمليات كمبيوترية، في تجسيد للمقاربة الإخوانية للعولمة ومحمولاتها، فصلاً بين منتجات الحضارة الانسانية التي هي ملك الجميع وبين الخصوصية الثقافية للمسلمين التي تتدرع بها الجماعة وتتجمل، إذ تنزل لشارع بَرِم من تغول الحكومة وتضعضع المعارضات الرسمية وأفول نجمها.
من مقر المرشد، الكائن في شارع الملك الصالح (!) وسط العاصمة، يبشر الإخوان المسلمون، بنوابهم ذوي السمعة الحسنة والأيادي النظيفة بحكم صالح. وهم يريدون كتابة قصة نجاح، كما قال لي الدكتور عصام العريان القيادي البارز، بمعزل، وربما على حساب، قصص فشل صاغها قيادات معمَّرة في الحكم، كما في المعارضة.
بخلاف الخطاب المعارض الذي يتسربل أكثر فأكثر بالسواد، متوغلاً في عتمات الثكل والتوحد، فإن نغمة الفوز وحدها من يضبط إيقاع الخطاب الإخواني، كما سيبين للقارئ في هذا الحديث الذي أُعد لموقع "نيوز يمن" الاخباري وصحيفة "النداء".
خاض الإخوان المسلمون معارك شرسة للاستمساك بما هو حق لهم، وكان في وسعهم في ظروف أكثر تسامحاً معهم، ومع الناخبين عموماً، أن يحصدوا ثلث مقاعد البرلمان على الأقل، لكن عصام العريان يستدعي مؤثرات إضافية لإجلاء بريق الانجاز، على الأرجح رداً على أنماط تحليلية تهوِّن من قصة النجاح، بتعظيم أثر تدني نسبة المشاركة الذي انصب في صالح القوة الأكثر تنظيماً في المجتمع السياسي (أي الاخوان).
النسبة الرسمية للمشاركة تدنو من 25%. لكن ممثلي منظمات غير حكومية شاركت في الرقابة المحلية، بينها مركز ابن خلدون، أكدوا لي أن نسبة المشاركة لا تتجاوز 15%، في حين يذهب عصام العريان إلى أن النسبة تتعدى 50% في حال نقيت الجداول الانتخابية من الاسماء الوهمية.
كرست الانتخابات المصرية "الاخوان" فائزاً وحيداً يستحوذ على الاهتمام كله، والأهمية أيضاً. وإلى تدني نسبة المشاركة (أو ارتفاعها بحسب تقديرات الجماعة) أفادت الجماعة من ضمور النظام الحزبي الرسمي. وهي اتبعت، ببراعة، تكتيكات انتخابية مكنتها من اجتياز المطبات والمصايد في طريقها نحو تكريس ثقلها الواقعي قانونياً وبوساطة البرلمان. ولئن بدت تكتيكاتها باهرة ومستمرة في تحقيق المكاسب، حتى في أداء كتلتها البرلمانية في جلسة البرلمان الاجرائية الأسبوع الماضي، لانتزاع مواقع متقدمة في اللجان المتخصصة باستثمار الارتباك الذي يسود أداء الحزب الوطني الحاكم والمضاربة بين أقطابه، فإن الغموض ما يزال يلف استراتيجية الجماعة، على الأقل في عيون قطاع عريض من العلمانيين والليبراليين.
وفي ناظريَّ أنا لاح سؤال الاستراتيجية مشروعاً وملحاً، حتى وأنا استمع إلى اجابات الدكتور عصام العريان بنغمة الفوز المتعالية فيها ونبرة اليقين الذي لا يُحد.
والى نص الحوار:
 
* في الجلسة الأولى للبرلمان الجديد، أيدت كتلة "الاخوان المسلمون" تجديد ولاية أحمد فتحي سرور في رئاسة المجلس، هل يؤشر ذلك على أداء الكتلة في الدورة الجديدة؟
- سياسة الاخوان واضحة وثابتة، نحن ننظر إلى هذه المرحلة باعتبارها مرحلة تغيير واصلاح، لابد أن تبدأ بفترة انتقالية تؤسس لحوار وطني يؤدي إلى وفاق وطني واتفاق على اجندة الاصلاح وبرنامج زمني لاصلاحات دستورية وسياسية. وبالتالي نحن لسنا بصدد تنازع على سلطات، لكننا نطالب بحقوقنا، نحن ككتلة من 88 نائباً من حقنا أن يكون لنا تمثيل داخل هيئات المجلس، وإن كان ليس من حقنا أن يكون رئيس المجلس منا.
 
* حققتم في الانتخابات نجاحاً لافتاً، أُعتبر غير متوقع، هل كان كذلك بالنسبة لكم كإخوان؟
- الشعب المصري هو صاحب الانجاز. (السبب هو) إقبال المصريين على التصويت رغم ما يقال عن تدني المشاركة، وأنا اختلف مع القائلين بذلك، فنسبة المشاركة تحسب من عدد المقيدين بشكل سليم وصحيح، والجداول القائمة لا تمثل هيئة الناخبين.
 
* كم برأيك النسبة الحقيقة؟
- اعتقد أن نسبة المشاركة ضعف النسبة التي أُعلنت. اذا كانوا أعلنوا حوالي 27-30%، فالنسبة الحقيقية هي 50-60%، نستطيع أن نحذف نصف الجداول ونحن مطمئنون تماماً، لأن نصف هذه الجداول أسماء وهمية. الشعب المصري هو الذي حقق الانجاز، وأظهر أنه يريد التغيير.
 
* هناك خشية أن يكون هذا الفوز قد أصابكم بالدوار...
- (مقاطعاً) الدوار أصاب اولئك الذين كانوا يراهنون على أن الشعب مات، وأن هذا الشعب غير ناضج ديمقراطياً، لكننا كإخوان مسلمين نعمل وسط الشعب ونعرف كيف يفكر الناس ونتواصل معهم كل يوم، بل عشرات المرات في اليوم الواحد. نحن لم نصب بدوار ولا بنشوة، ونعتبر انفسنا أمام مسؤولية تاريخية.
 
* هناك دوائر عُلقت الانتخابات فيها أو ألغيت، هل تتوقع ارتفاع حصيلة مقاعد الإخوان عند إجراء لانتخابات فيها؟
- في دوائر أُجلت فيها الانتخابات لنا فيها سبعة نواب، وإنشا الله ترتفع حصيلتنا فيها، وفي دوائر محل طعون اشهرها دائرة الدقي ودائرة دمنهور (أعلن فيها فوز مصطفى الفقي)، ودوائر: الزقازيق، والدقهلية ومدينة نصر، يمكن أن يصل عدد مقاعد هذه الدوائر إلى أكثر من 15 مقعداً، اعتقد في حال إعادة الانتخابات فيها فإن الشعب سيقول كلمته (لصالحنا).
 
* فور انتهاء المرحلة الأولى من الانتخابات طُرح، على نطاق واسع، انتقال جماعة الاخوان إلى الشكل الحزبي، هل آن الأوان لتحقيق ذلك؟
- نحن قررنا منذ 1987 ذلك، لكن الحكومة تحتكر الترخيص لقيام أحزاب، مأساة الانتخابات الحالية انها أثبتت فشل النظام الحزبي الرسمي، وبالتالي لا يمكن أن يدخل الاخوان هذا النموذج الفاشل، لأننا نريد أن نبني قصة نجاح وليس قصة فشل، نريد ان نغير قواعد نشوء الاحزاب، لنا ولغيرنا، وقتها سيكون للاخوان حزب.
 
* تريدون اذاً تغيير معايير نشوء الأحزاب في القانون الحالي؟
- نريد إلغاء القانون، بحيث يسمح بتشكيل الأحزاب بمجرد الإخطار، وأن يحل أي نزاع حزبي عند القضاء الطبيعي وليس عند محاكم خاصة.
 
* أفهم انكم تريدون التخلص من أي عوائق أو متطلبات تحول دون.....
- (مقاطعاً) دون تحقيق رغبة المواطن المصري، وليس الأخوان. نريد إلغاء أية قيود تحول دون تحقيق رغبة المواطن في إنشاء حزب أو صدور الجريدة التي تتحدث باسمه، أو المحطة الاذاعية أو التلفزيونية.
 
* بما في ذلك الشرط الخاص بحظر الإدعاء بتمثيل الاسلام؟
- لا أحد يدعي أنه يحتكر تمثيل الاسلام، لا يوجد ولا يقدر أحد يدعي تمثيل الاسلام؛ الاسلام ديننا جميعاً، وهو ثقافة كل العرب، مسيحيين ويهود وغيرهم. نحن امام افتراض غير حقيقي. وعندما سمح الكيان الصهيوني بإنشاء احزاب دينية، ما عندوش حزب واحد يدعي احتكار التوراة. عنده أكثر من خمسة أحزاب دينية وبعضها أحزاب دينية طائفية (عرقية يعني).
 
* سمعت عن مرشحين من الإخوان حازوا على تأييد ناخبين أقباط....
- هذه حقيقة.
 
* مع ذلك هناك دعوات لإنشاء حزب للأقباط في المقابل، خصوصاً لدى أقباط المهجر.
- لا شأن لنا بأقباط المهجر، أقباط المهجر يعملون لأجندة أخرى تختلف عن أجندة مصر. نحن نطالبهم أن يدعموا التحول الديمقراطي، ويحترموا إرادة الشعب وألا ينكروا حقائق موجودة على الارض. لهم رأيهم ولهم أن يحتفظوا بأفكارهم هذا شيء يخصهم، ولكن عندما يهتمون بشأن مصر، فليهتموا لصالح مصر وليس لصالح توظيفهم لأجندة خارجية.
 
* هل أنتم بصدد خطوات أو تطمينات نحوهم؟
- نحن من قديم، والآن وبعد الآن، لا نتحدث عن تطمينات ولكن عن نشاط حقيقي يهدف إلى الصالح العام، لا نهدف إلى طمأنة أحد كي يطمئن فقط، لكننا نريد من حواراتنا مع الأقباط ومع المهتمين بالشأن العام، أن تزداد نسبة مشاركتهم كمواطنين، وألا يتصرفوا كأقلية. هم يهمهم صالح الوطن كما يهمنا، ونحن لنا قضايا مشتركة، وهم لهم قضايا خاصة، ونحن على استعداد لأن نتعاون في القضايا المشتركة وأن نتفهم وجهة نظرهم في القضايا الخاصة.
 
* ما رأيك في دعوات بعض الأقباط لإنشاء حزب قبطي؟
- هذا شأنهم، أنا لا أستطيع أن أتدخل، لكن أظن أنه لن ينضم إليهم كل المسيحيين.
 
* بالتأكيد؟
- آه، لن ينضم إليهم الجميع (...).
 
* استمعت إلى تصريحات لك بعد انتهاء المرحلة الثانية تتحدث عن برنامج للجبهة الوطنية للتغيير (وتضم إلى الاخوان أحزاب المعارضة الرئيسة).
- الجبهة لا زالت قائمة.
 
* ألن تؤثر الصراعات التي خاضها مرشحو الاخوان ضد رموز للمعارضة على فكرة الجبهة؟
- أولاً الصراعات كانت محدودة. نحن نفذنا ما اتفقنا عليه من تنسيق بنسبة تفوق 75%. والفشل الذي مُني به أفراد ترشحوا على قائمة الجبهة، في الغالب ليس مرده إلى الإخوان. مرده إلى أسباب أخرى. والمواجهات الحادة كانت في دائرتين أو ثلاث فقط، منها دائرة خالد محيي الدين ودائرة وجيه شكري، (مرشحان من حزب التجمع اليساري). وانا أقول، لمن ينتقدون الإخوان في هذا، إن الأصل في العلاقة بين الأحزاب السياسية هو المنافسة، والاستثناء هو التوافق. واذا كنا نريد حياة سياسية ديمقراطية سليمة فلنحترم قواعدالمنافسة.
 
* سقط مرشحون مستقلون في الانتخابات، مثل عادل عيد.
- نحن أيدناه.
 
* لكنه قال إن الاخوان لم يبذلوا الجهد الكافي، وان آلياتهم لم تعمل لصالحه بالحماسة ذاتها التي عملت بها لمرشحي الاخوان في الدائرة ذاتها؟
- هذا شيء متوقع.
 
* تعتقد انه طبيعي؟
- طبيعي؛ لأن الماكينة الانتخابية الاخوانية كانت موزعة جهدها على 88 دائرة بالقطع. جهد الاخوان الرئيسي كان موجهاً لصالح مرشحي الاخوان.
 
* لكن خروج نواب من وزن عادل عيد يضر بأداء المجلس.
- الاستاذ عادل خسارة، خسارة نحن نشعر بها، وبالذات في هذا المجلس، ولكني اعتقد ان الحياة السياسية لاتقتصر على النشاط البرلماني، وحتى النشاط البرلماني، لا يقتصر على عضو البرلمان، الاستاذ عادل لديه أفكار ولديه مشاريع قوانين يستطيع أن يدفع بها لنواب الاخوان في الاسكندرية وهم أصدقاؤه وتلاميذه وابناؤه، فهذا جهد نتمنى ان يستمر.
 
* ما تعليقك على ما يتردد عن وجود توجه لدى الادارة الامريكية للتعاطي مع حقائق جديدة في مصر؟
- خلصت في مقالة لي تنشرها "الشرق الأوسط" إلى أن الحوار مع الادارة الامريكية صعب وعسير؛ لأن هناك تناقض جوهري بين مشروع الامبراطورية الامريكية ومشروع واعد يتبناه الاخوان المسلمون" لنهضة اسلامية عربية مصرية. وهناك ملفات ساخنة لن يستطيع الطرفان تجاوزها بسهولة، أهمها الملف الفلسطيني.
 
* بالرغم من ذلك فإن مادلين أولبرايت(للتمثيل)، دعت إلى السماح بتمثيل الاسلام المعتدل؟
- قواعد الحوار يجب أن تحترم. وقواعد الحوار أن يكون ما تعلنه امريكا هو نفس ما تبطنه، تقول امريكا انها تحترم الأمم المتحدة والقانون الدولي، وهي في الحقيقة لا تحترم لا الامم المتحدة ولا القانون الدولي. تقول إنها تدافع عن الديمقراطية وحقوق الانسان، حقيقة الأمر أنها انتقائية في ذلك. ألم يجد الرئيس بوش شخصاً واحداً في العالم العربي يذكره بالاسم إلا الاستاذ كمال الغيواني (المعتقل في سوريا فور عودته من واشنطن) ونسي 800 معتقل في مصر بسبب الانتخابات، و98 من الاخوان مهددون بأحكام بالاعدام في ليبيا، والمئات في تونس مضربون عن الطعام، نسي هؤلاء جميعاً ولم يتذكر إلا سورياً، لم يمض على اعتقاله اكثر من شهر.
 
* الانتقائية واضحة، لكن ألم تتلقوا رسائل أو إشارات من الادارة الامريكية؟
- لا لا، لم نتلق أية رسائل، الادارة الامريكية مرتبكة جداً في التعاطي مع هذا الملف.
 
* ولكن هناك شخصيات تحث على بدء حوار غربي مع الاخوان، الدكتور سعد الدين ابراهيم مثلاً؟
- ما وزن الدكتور سعد الدين ابراهيم لدى الادارة الامريكية؟
 
* هناك شخصيات، مثل سعد الدين ابراهيم، على علاقة طيبة بالادارة وتدعم وجود حوار مع الاخوان.
- نحن نثمن ما يكتبه الدكتور سعد الدين ابراهيم عن الاخوان، ونتمنى أن يكون لرأيه صدى، ولكن في حقيقة الأمر (أضاف هنا حقاً) سعد الدين ابراهيم نفسه يئس من الامريكان واتجه إلى الأوروبيين، وهذا ما قاله لي شخصياً.
 
* كيف ترى تركيبة البرلمان الجديد في ظل غياب المعارضة؟
- أحزاب المعارضة موجودة ولكنها ضعيفة، وضعفها كان موجوداً أيضاً في المجلس السابق، ضعفها ليس وليد هذه اللحظة. كان عدد نواب الاخوان في المجلس السابق 17 وعدد نواب أحزاب المعارضة مجتمعة 15. في المجلس الجديد عدد نواب الاخوان تضاعف خمس مرات (88) وعدد نواب المعارضة نزل إلى النصف.
 
* ما تفسيرك؟
- النظام الحزبي الرسمي فشل. الحزب الوطني نفسه فشل أيضاً. نجح له أقل من 31% من مرشحيه. النظام السياسي الرسمي الحزبي فاشل.
 
* ألا يستدعي هذا قيام كتلة معارضة كبيرة لتقود التغيير؟
- يتطلب وفاقاً وطنياً، ويتطلب إرادة سياسية حازمة وواضحة في اننا بصدد اصلاح حقيقي، لا بصدد أشياء تجميلية أو ترفيهية.
 
* قرأت للمرشد العام، محمد مهدي عاكف تصريحاً بأنه لا يرى مانعاً من أن يترشح للرئاسة وإن كان الأوان ليس مناسباً الآن.
- هذا حق لكل المصريين.
 
* لكن هذا التصريح غير مسبوق.
- ما دمنا نتحدث عن اصلاح حقيقي، فيجب أن يكون الهدف إقامة دولة الحق والقانون والمؤسسات. عندما تكون هناك دولة مؤسسات لا يهم من يكون على رأس الدولة (زيد أو عمرو)؛ لأن هناك مؤسسات. لأننا نعيش في نظام شخصاني منذ 50 سنة، فبالتالي فإن شخص الرئيس هو الذي يهم. عندما تبنى دولة مؤسسات يصبح شخص الرئيس له اهمية بالقطع، حتى في امريكا شخص الرئيس مهم مع وجود دولة مؤسسات قوية، لكن في النهاية هناك مؤسسات تحافظ على النظام.
 
* هل تتوقع أن يكون للتطورات في مصر، وبخاصة تقدم الاخوان، تأثير ايجابي على اداء الاخوان المسلمين في العالم العربي؟
- ليس على الاخوان المسلمين فقط، لدينا انتخابات اليوم في العراق، وانتخابات بعد شهر في فلسطين، لننتظر حتى نرى هل حدث تأثير بالفعل ام لا؟
 
* تقرون مشاركة الاخوان المسلمين في انتخابات العراق!
- الحزب الاسلامي والحزب الاسلامي الكردستاني يشاركان وهما جناحان (للاخوان المسلمين).
 
* برأيك، ذلك طبيعي؟
- هذا شأنهم. مشروع الاحتلال الامريكي أنا ضده، لكن على الأرض أصحاب البلد هم الذين يقدرون الموقف.
-------------------------------------------------------------------
نشر هذا اللقاء في صحيفة النداء الأسبوعية العدد (  36  ) بتاريخ   ديسمبر 2005م

جولة في قاعات اللجنة العليا للانتخابات - سامي غالب


جولة في قاعات اللجنة العليا للانتخابات - سامي غالب

04/05/2005
* الأرقام العصية
كان الدكتور محمد عبدالله السياني -رئيس قطاع التخطيط والشؤون الفنية باللجنة العليا للانتخابات- ما يزال منشغلاً بفحص بضعة أوراق على مكتبه وإجراء اتصالات هاتفية قصيرة عندما جلست أمامه لطرح أسئلة بخصوص الأولويات التي يشتغل عليها القطاع الفني.
كانت الأوراق عبارة عن جداول بالنتائج الأولية للتعداد السكاني التي أعلنت مؤخرا. والأرجح أنها كانت موضوع الحديث الذي دار بينه وزميله في اللجنة سالم الخنبشي -رئيس قطاع الإحصاء، الذي غادر المكتب لحظة دخولي.
قبل نصف ساعة أثرت مع عبده محمد الجندي -رئيس القطاع الإعلامي- موضوع نتائج التعداد ومدى انسجامها مع السجل الانتخابي الذي تم تحريره خريف 2002، وهو قال بأن نتائج التعداد متقاربة مع المعطيات الواردة في السجل الانتخابي، قبل أن يستدرك: "لم نجر أية مقارنات بعد".
الدكتور السياني، وخلافاً لزميله، استخدم صيغة النفي في رده على السؤال نفسه، منتهياً إلى التقدير ذاته: "النتائج الأولية للتعداد لم تكن بعيدة عن بيانات السجل الانتخابي" قال رئيس القطاع الفني.
وأضاف: "اللجنة ستكون ملزمة بإعادة النظر في التقسيم الحالي للدوائر الانتخابية، في حال تلقت مبكراً نتائج التعداد التفصيلية من الجهاز المركزي للإحصاء".
أظهرت النتائج الأولية للتعداد أن سكان اليمن لا يتجاوزون 19.7 مليون نسمة، في حين كانت الإسقاطات الإحصائية المبنية على تعداد 1995 تفيد بتجاوز السكان خط العشرين مليون نهاية عام 2002، وهو العام الذي أنجز فيه السجل الانتخابي الجديد بحمولته البالغة 8.5 مليون ناخب وناخبة. وهذا الرقم يمثل 80-85% من السكان في سن الانتخاب، حسب الدكتور السياني، الذي سارع ليؤكد بأن التقدير السابق مبني على مؤشرات الجهاز المركزي للإحصاء التي تظهر بأن 48% من السكان هم من الفئة العمرية 18 سنة وأكثر.
إعلان النتائج التفصيلية للتعداد سيتأخر بضعة شهور.. ومن حسن طالع الحكومة أن أحزاب المعارضة لا تحسن لغة الأرقام قدر ما تحسن لغة التذمر وما تجره عليها من ملمات ليس أقلها هدر فرص تسجيل النقاط ضد حكومة لا تتردد في توجيه الضربات الفنية القاضية لمتحديها.
هل السجل الانتخابي مثالي في بياناته؟ كلا! فلدى اللجنة العليا للانتخابات هذه المرة ما تعترف به. اكتشفنا في القطاع الفني 150 ألف حالة لناخبين تقل أعمارهم عن 18 سنة - يقول السياني.
ويضيف: «كان المنتظر أن تتخذ الاحزاب السياسية قراراً استثنائياً بشطبهم لكنهم لم يقدموا على هذه الخطوة». والمقترح جاء بناءً على توسط د. روبن مدريد - مديرة المعهد الديمقراطي للشؤون الدولية في صنعاء- شطب الأسماء بناء على توافق سياسي يتنافى ونصوص قانون الانتخابات التي تحدد آليات وإجراءات مزمَّنة للطعن في جداول القيد، قلت للدكتور السياني.
أما عبده الجندي فقد اكتفى بالابتسام لحظة سألته في حصة أي حزب تصب أغلب أصوات هؤلاء!
لذلك، ولأسباب عديدة، لن ينشغل بال اللجنة العليا للانتخابات كثيراً بما قد تثيره نتائج التعداد السكاني من جدل حول صدقية السجل الانتخابي، فلديها مؤونة الرد على أية اتهامات توجه إليها، كأن تعيد التذكير بأن للمعارضة قرابة نصف عدد أعضاء اللجان التي أشرفت على عملية القيد والتسجيل في أكتوبر 2002، وان مندوبي الأحزاب جميعاً أتيح لهم مراقبة أعمال هذه اللجان عن كثب، فضلاً عن آليات أخرى كفلها القانون.
وقد نسمع من دون أن تبدر علامات اندهاش على وجوهنا بأن عشرات الآلاف الذين سجلوا وهم دون السن القانونية قبل ثلاث سنوات باتوا الآن كاملي الأهلية للتمتع بحقوقهم الانتخابية!
أبعد من ذلك كله، لدى اللجنة من يتقدم للحديث نيابة عنها حتى من دون استئذانها، ففي التعليق الحكومي الرسمي على الانتقادات الموجهة للانتخابات النيابية الاخيرة (2003) الواردة في التقرير السنوي للخارجية الامريكية، إشارة واثقة بأن اليمن عالجت جميع الأسباب التي تسوِّغ الانتقاد الامريكي. يسجل التقرير الامريكي أربعة اختراقات شابت الانتخابات النيابية التي يصفها بأنها ناجحة: مقترعون دون السن القانونية؛ مصادرة لصناديق الاقتراع؛ ترويع للناخبين؛ شراء الأصوات.
«اليمن قامت بمعالجة هذه الاشكالات وفق القانون»، ردَّت الحكومة عبر تقرير لوزارة حقوق الانسان وزع الأسبوع الماضي. واذا أهملنا مشكلتي ترويع الناخبين وشراء الأصوات، فإننا نعلم الآن بأن المقترعين دون السن القانونية ما يزالون يتمتعون باقامة آمنة داخل السجل الانتخابي. لكننا لا نعلم مصير الصناديق التي اختطفت من المركز (ط) الدائرة 186، للتمثيل فحسب، تماماً مثلما هو حال ملف قضية الدائرة نفسها الذي على ما يبدو استطاب سكنى أدراج المحكمة العليا منذ عامين تقريباً.
* لئن كان بال اللجنة الطويل قليل الانشغال بتوابع التعداد وأثرها على صدقية السجل، فإن قلبها ميَّال الى مقاربة حذرة لهذه النتائج. فالتحدي الماثل متصل بالتقسيم الانتخابي لا بالسجل الانتخابي.
قسمت اليمن الى دوائر انتخابية خريف 1992. مذَّاك لم يطرأ أي تعديل عليها. وللدقة لم يثر موضوع إعادة النظر في حدودها لكأنما هنالك اتفاق بين أطراف المنظومة السياسية على تأبيدها تفادياً لمضاعفات إعادة هندسة حدودها (الحديث هنا عن الجمهورية اليمنية وليس عن منظمة الوحدة الافريقية!).
صُمِّم التقسيم الحالي للدوائر الانتخابية استناداً الى إسقاطات إحصائية لتعدادي السكان في شمال اليمن (1986) وجنوبه (1988). وأظهرت عملية القيد والتسجيل مطلع 1993 تفاوتاً في أعداد المسجلين بالدوائر الانتخابية ما أنفك يطَّرد حتى الآن. للغرابة فإن اللجان العليا للانتخابات التي تشكلت بعد الانتخابات النيابية الأولى لم تقم بأية جهود لتصويب الأخطاء في التقسيم الراهن، على الرغم من وجود صورة أوضح وأقرب الى الدقة حول توزيع السكان أفرزها تعداد 1994. مع تقلب السنين ترسخت حدود الدوائر بقوة الواقع مكتسبة سطوة يصعب معها المساس بها، على حد تعبير عبده محمد الجندي. كيف نأتي فننسف هذا الواقع بعمره المديد على مستوى الدوائر أو المحافظات؟ سؤال تقريري وجهه إليَّ، لغرض شد انتباهي لا أكثر كيما يطرح تصوره للأمر: التقسيم الحالي يحتاج الى رؤى وتعمق في الدراسة، ويحتاج أيضاً الى مشاركة في الرأي من أعضاء مجلس النواب والهيئات والمنظمات ذات الصلة، لافتاً إلى أن نصيب محافظتي تعز وإب من الدوائر سينخفض لصالح محافظات أخرى كالحديدة والجوف.
إعادة النظر في التقسيم الانتخابي سيثير تعقيدات سياسية واجتماعية شديدة الحساسية، لا جدال. وهو استغرق عديد الشهور قبل اجراء أول انتخابات نيابية. خلال تلك الشهور تفجرت خلافات بين أعضاء اللجنة التي ترأسها القاضي عبدالكريم العرشي وضمت شخصيات سياسية رفيعة في ظرف فريد محكوم من زاوية بالتوازن السياسي بين حزبي السلطة عهدذاك (المؤتمر والاشتراكي) ومن زاوية أخرى بارتفاع درجة التوقعات لدى النخب الحزبية كما لدى الناخبين. بالرغم من كل ذلك، فقد استعرت حروب صغيرة حزبية وقبلية جراء التقسيم، ونحرت مواشٍ في ساحة مقر اللجنة الأسبق (نادي ضباط الشرطة) احتجاجاً على ما يمكن أن نسميه باتفاق سايكس بيكو!
الحق أن التقسيم تم سنتذاك طبق اعتبارات سياسية في المقام الأول جراء الفوران السياسي الذي عمَّ اليمن إثر تحقيق الوحدة واعتماد التعددية الحزبية ركيزة من ركائز النظام السياسي للجمهورية اليمنية. ولقد اتفق «سايكس» و«بيكو» على أن يترك أحدهما المجال للآخر ليتصرف على هواه في رسم دوائر المحافظات الخاضعة لنفوذه، وقد عمل الطرفان باخلاص، وصغائرية أيضاً، على تعظيم نفوذهما بأي ثمن، ولو عبر تقطيع أوصال المحلات والقرى والبوادي في أنحاء البلاد. وهما جدَّا في اصطناع الحدود طبق تفضيلاتهما، فحصدا كلٌ في شطره السابق جميع الدوائر الانتخابية إلاّ قليلاً. ماذا حصد اليمنيون؟ نظاماً انتخابياً جامداً، تقسيماً انتخابياً جذوره ضاربة في مضارب القبلية، وعملية انتخابية عالية الكلفة مالاً وأعصاباً ودماً.
والحال أن كل حديث يجري الآن وبعد 12 سنة من الانتخابات المؤسسة للديمقراطية اليمنية، يبقى مقصوراً على التفاصيل الفنية والاجرائية متقاصراً عن الإرتقاء الى الحلول الابداعية. تصريحات أعضاء اللجنة العليا للانتخابات، على سبيل المثال، تشي بوجود تفاهم بين أعضاء اللجنة على إيلاء الانتخابات الرئاسية والمحلية الاهتمام الأقصى في الشهور المقبلة لأنها «ستجري في إطار ما هو قائم»، وترحيل كابوس تقسيم الدوائر الانتخابية الى ما بعد 2006، ذلك لأنه مرتبط بالانتخابات النيابية التي تبعد عنا أربع سنوات.
* لئن كان السجل الانتخابي لا يشغل البال، وحدود الدوائر الانتخابية نهائية، على الأقل، إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية والمحلية، فإن نتائج التعداد قد تحدث تأثيراً طفيفاً على التقسيم داخل الدوائر الانتخابية لأغراض الانتخابات المحلية، كما يرجح الدكتور محمد السياني. لماذا؟ لأن التقسيم داخل الدوائر حديث العهد، إذ جرى عام 2002. وهذه مهمة يسيرة على أية حال، كما يؤكد السياني، لأن القطاع الفني يشتغل على إدخال نظام المعلومات الجغرافية (G.I.S) الذي سيمكن اللجنة من إجراء عملية التعديل واصدار خرائط التقسيم الكترونياً.
* يضم القطاع الفني 45 موظفاً وموظفة موزعين على ثلاث ادارات عامة: الفنية، المعلومات والنظم، التدريب الانتخابي. بعض هؤلاء يعمل منذ عام 1992، وجُلهم يحوز الخبرة الكافية -حسب رئيس القطاع- لأنهم شاركوا في التقسيم الانتخابي (داخل الدوائر) وعملية القيد والتسجيل عام 2002، والانتخابات البرلمانية عام 2003. ويتلقى القطاع برامج دعم خارجية تركز على بناء القدرات الادارية والانتخابية لدى طاقمه، فضلاً عن الدعم الفني لتطوير العمل التقني ومجالات التدريب.
أولويات الطاقم الفني -كما يلخصها السياني- تتمثل في وضع خطة لمراجعة وتحرير جداول الناخبين تحضيراً للانتخابات المحلية والرئاسية في العام المقبل، وإعداد دليل خاص بالانتخابات الرئاسية يكفل عملية انتخاب سليمة تتجنب أخطاء الانتخابات السابقة، والإعداد لتيسير عملية الاقتراع لليمنيين في بلدان الاغتراب، طبق قانون الانتخابات. علماً بأن حق الاقتراع محصور في حاملي البطاقة الانتخابية (أي المقيدين في سجلات الناخبين) ولن يتاح لليمنيين في مواطن الاغتراب التسجيل في مكاتب خارج البلاد. وتقديري أن عدداً محدوداً جداً منهم ستتاح له فرصة المشاركة في اختيار الرئيس المقبل.
* يفضلونها مجرورة
أكثر ما يشد الإنتباه في السجل الانتخابي ذاك التطور المتسارع في عدد النساء المسجلات: من 480 ألفاً (1992) إلى 1.2 مليون (1997)، إلى نحو 3.5 مليون (2002). وقد أبلغني سالم الخنبشي -رئىس قطاع الاحصاء في اللجنة العليا للانتخابات- بأنه وزملاءه يتطلعون إلى اجتياز حاجز الـ4 ملايين مسجلة بعد مرحلة تحرير ومراجعة الجداول نهاية العام الجاري، فهجس في خاطري النقاء الذكوري الذي سيطبع المجلس النيابي المقبل أخذاً في الاعتبار الإرتباط العكسي بين عدد المسجلات وعدد المرشحات والفائزات في مجلس النواب منذ أولى انتخابات نيابية. (أنظر الجدول).
يعزو الخنبشي التوازن في السجل الانتخابي من حيث الجنس (42% نساء) إلى ارتفاع الوعي الإنتخابي عند المرأة، وإلى «التسهيلات التي وفرناها» كالمراكز الخاصة بقيد المرأة وكاميرات التصوير.
ويعزو تردي تمثيل المرأة في مجلس النواب (0.33%) وفي المجالس المحلية (0.5%) إلى الاحزاب التي تبحث عن المرأة كناخبة وليست كمرشحة.
تقدمت المرأة في المجال الانتخابي كجمهور منذ 1992، وتراجعت كمرشحة ومنتخبة (بالفتح) ومشاركة في إدارة العملية الانتخابية، ومايزال مقعد القانونية راقية حميدان شاغراً بعد 12 عاماً من زوال أولى لجنة انتخابات عليا!
الحديث يتعالى عن مشاركة المرأة بطنان الألفاظ وزخرفها فيما موقعها يتردى ليس في واقع السياسة اليومية وحسب، وإنما، الأنكى والأمض، في ذهنية القيادات السياسية في الحكم والمعارضة، لتبدو لنا المرحلة الانتقالية من حيث نقف الآن «فردوسية» على ما طبعها من توتر وانفعالات وانفجارات قادت إلى حرب مدمرة على مختلف الصعد.
تردي دور المرأة موصول، بعد ذلك، بالمناورات الحزبية الصغيرة، وبالشتات الذهني لدى النخبة السياسية، وبهلامية أغلب المنظمات النسوية، وأخيراً بالأمان تحت مظلة المألوف والتوجس من التجديد.
كذلك فقد سمعت نغمة واحدة بتنويعات عديدة، في أروقة اللجنة العليا للانتخابات: علاج مشكلة تمثيل المرأة متوفر في سوق الأحزاب وليس في مطبخ القانون.
«مطلوب كوتا توافقية لا كوتا قانونية»، يقول د.عبدالمؤمن شجاع الدين رئىس القطاع القانوني في اللجنة، فالأخيرة «تستلزم تعديلاً دستورياً، وقد تخل بمبدأ المساواة». إنْ كان لابد من تعديل قانوني يُكرِّس فرص تمثيل النساء في الهيئات العامة فينبغي التركيز -يذهب شجاع الدين- على قانون الأحزاب الذي يُقرِّر التزامات كل حزب سياسي. وبمعزل عن القوانين -هو يخلص- تستطيع الأحزاب أن توجد كوتا توافقية دون الإخلال بالمساواة بين المواطنين.
القيادات النسوية لأحزاب المؤتمر والاصلاح والاشتراكي أعلنَّ في أغسطس الماضي حزمة مطالب بينها إنشاء دائرة للمرأة في اللجنة العليا للانتخابات وتمثيل عادل للنساء في اللجان الاشرافية والأصلية، وتعديل القانون بما يعطي المرأة مقاعد مخصصة (كوتا)، وشددن على ضرورة اجراء التعديل قبل الانتخابات المحلية (2006)، وتعهدن بالعمل معاً «على رفع وزيادة المشاركة الحقيقية للمرأة في انتخابات المجالس المحلية (...) وهذا بدوره سوف يساعد في بناء قاعدة قوية للنساء وزيادة نسبة تمثيلهن في مجلس النواب».
هذه النبرة النسوية الواثقة والعالية لم نعد نسمعها الآن، وكذلك هي روح الاتحاد التي ما لبثت أن خبت بعيد عودة "الحريم" من قاعة فندق سبأ الذي استضاف جلسة إشهار إعلانهن، إلى بيوت الطاعة الحزبية.
والظاهر أن القطاع النسوي للمؤتمر الشعبي مقتنع بعدم الحاجة إلى تعديل قانوني بعد إعلان المؤتمر الشعبي العام مقترحاً بكوتا توافقية، ملزماً نفسه بكوتا أحادية -وهذه بادرة لافتة بحسب شجاع الدين- عبر عدد صريح من المرشحات في قوائمه الانتخابية (10% للنيابة، 20% للمحليات).
«هذه بادرة ليست خالصة النية»، قالت ناشطة نسوية، مبدية عجبها للمؤتمر المستغني عن آراء الجميع في شتى القضايا لكنه في قضايا المرأة يضع مقترحات بدلاً من تبنيها! معتبرة المسألة مسألة ثقافة وإرادة، وإذا كان المؤتمر جاداً في دعم المرأة «لرأينا تمثيلها في الحكومة ومجلس الشورى (المعيّن) أكبر، وكذا في السلك الديبلوماسي». ثم إنها غصَّت: «كان لدينا سفيرة والآن لا يوجد.. لدينا وزيرة قد يأتي الدور عليها». للتذكير فإن المؤتمر حصد في الانتخابات النيابية الأخيرة (60%) من أصوات الناخبات.
لا يقل القطاع النسوي للإصلاح عن قرينه المزعوم حاكماً، انضباطاً. ولعديد الأسباب فإن انضباط الإصلاحية، في تنفيذ تعاليم الحزب في الحياة السياسية العامة ليست سوى التعبير القشري عن السلطة البطريركية المعززة بجلال الدين في الحياة الداخلية للحزب.
وكنت في فبراير الماضي سألت زميلات من حزب الإصلاح ما إذا كُن سيسعين إلى إدراج مطالبهن التي تضمنها الإعلان المشترك مع قطاعي الاشتراكي والمؤتمر، ضمن جدول أعمال الدورة الثانية لمؤتمر الإصلاح الشهر ذاته، فتناهى الى أسماعي ما يشبه الأنين المخنوق وراء صيغ مكرورة في أحاديث من هذا النوع، كالقول مثلاً بأن جدول أعمال المؤتمر محدد سلفاً من شيوخنا الأجلاء.
وكانت ممثلة الإصلاح في لقاء إشهار المطالب سُئلت -بحسب رواية ناشطة نسوية- ما إذا كان موقفها مقبولاً من قادة الحزب، فردت: نحن لا نعلن موقفاً قبل مراجعته (من هيئاتنا القيادية). وكان أن جاء بيان مؤتمر الإصلاح خلواً من أية إشارة لتلك المطالب المراجعة والمزكاة من القيادات العليا. بيد أن ناشطة اصلاحية ذكرت لـ«النداء» أن مطالب المرأة طرحت في مؤتمر الإصلاح، وقد حظيت بتفهم وعناية في النقاشات، وإن لم تظهر في البيان. وأخشى أن يكون قولها مجرد تجل لحمية حزبية وعصبية جاهلية!
يلوح الاشتراكي نظرياً متقدماً بفارق كبير، وهو قلَّما تصدر في العقد الأخير. في ورقة مقترحاته الخاصة بتعديل قانون الانتخابات والمقدمة الى اللجنة العليا للإنتخابات ومنظمة «الآيفس» المشتغلة على النظم الانتخابية، يدعو إلى تمثيل المرأة في اللجنة العليا للإنتخابات، على الأقل بواحدة تملأ مقعد السيدة راقية حميدان الشاغر منذ 12 سنة. ويتجاوب الأشتراكي مع مطلب قطاعه النسوي (وقطاعي الحزبين الأخرين) بتمثيل عادل للنساء في اللجان الاشرافية والأصلية، مقترحاً نسبة 40% للنساء، ويذهب إلى الزام كل حزب بتخصيص 10% من قائمة مرشحيه إلى مجلس النواب للنساء، بحيث يردن في مواقع تحتمل الفوز.
موقف الاشتراكي، كما نرى، ينسجم وتراثه الفكري والسياسي، أقول تراثه لأن حالة الدوار التي يعيشها الحزب منذ 1994، وما يرافقها من حيرة وتردد وصدمات وارتطامات أنسته ميزاته و(ما يمكن أن توصف بـ) مفاخره، وفي الصدارة المكاسب التي تحققت للمرأة. وفي انتخابات 2003، سمَّى الحزب في دائرة خور مكسر (عدن) أحد كوادره الشباب في مواجهة عضوة المكتب السياسي رضية شمشير. سقطت شمشير وسقط رفيقها المنافس، وفازت أوراس مرشحة المؤتمر الشعبي. مذّاك يكابد الاشتراكي الصداع جراء الصدع في مصداقيته الناجم عن تلك الواقعة المخزية التي تصلح مادة تطبيقية في درس حول خيانة السياسي اليومي لقضاياه الاجتماعية والوطنية.
* مكانة المرأة محفوظة، كما نرى، في موقع رفيع في عالم التصورات المستقبلية. وكذلك هو حالها في اللجنة العليا للانتخابات. «أقررنا من حيث المبدأ وجود إدارة عامة للمرأة في هيكلية اللجنة»، قال لـ«النداء» سالم الخنبشي بنبرة تنم عن رضا محمولة على بريق إنجاز! قبل أن يردف واضعاً لمسته الشخصية: «سيكون من الأفضل وجود قطاع للمرأة في اللجنة». وزاد: «نسعى إلى خلق أوثق العلاقات بالمنظمات النسوية، (تعبيراً) عن اهتمامنا بقضايا الشأن الانتخابي للمرأة».
بواسطة عدسة مجمعة نطل خلالها على المشهد برمته، نجد المرأة محشورة في منطقة ارتطام ثلاث كتل رجولية - إن جاز التعبير. وهي إنْ لاحت مجرد مسحوق لتجميل جفون الحكومة المتهدلة لزوم مغازلة الخارج، ومحض صوت انتخابي في الذهنية الحزبية السائدة كون قيس اليماني مولعاً فقط بـ«ليلى» المنتخِبة (لأنها مجرورة!)، فقد بدت لي كائناً أسطورياً رائعاً لفحتني أنفاسه أثناء تجوالي في أروقة اللجنة العليا للانتخابات!
* النظام وعوائده والكنز المخبوء!
بإستثناء الحزب الاشتراكي الذي يدعو إلى تغيير النظام الانتخابي من نظام الأغلبية النسبية (دائرة صغيرة فردية) إلى نظام التمثيل النسبي (دائرة كبيرة، قائمة) تظهر الأحزاب الأخرى تآلفاً مع النظام الراهن على الرغم من أنه يدر عوائده على شريك واحد فقط هو المؤتمر الشعبي العام، ما يشي بأن لدى باقي الأحزاب كنزاً مخبوءاً يعوِّض عليها شحة العائد،يدعونه القناعة!
يقود نظام الأغلبية النسبية نظرياً إلى حياة سياسية مقوطبة، عمادها حزبان قريبان من الوسط يهيمنان على المجالس التمثيلية كافة، كما في بريطانيا وأمريكا، يتقاسمان مقاعدها، ويتناوبان على مقعد الأغلبية فيها كل دورة أو دورتين أو ثلاث. بينما يؤدي النظام الآخر (التمثيل النسبي) إلى مجالس تمثيلية متعددة الأقطاب تفرض على الأحزاب الكبرى تشكيل حكومات ائتلافية بالاستعانة بالأحزاب المتوسطة والصغيرة، كما في اسرائيل.
واقع التجربة اليمنية لا ينطبق تماماً على النظرية. فلئن أفرزت انتخابات عام 1993 برلماناً فيه ثلاث قوى كبيرة (المؤتمر، الاشتراكي، الاصلاح) فإن الانتخابات النيابية التالية (1997) التي قاطعها الاشتراكي، أفرزت برلماناً من قوة كاسحة (المؤتمر 75%) وقوة متوسطة (الاصلاح 20%). وواصل الاتجاه العام مساره في الانتخابات النيابية الأخيرة (2003)، فحصد المؤتمر أربعة أخماس المجلس (80%) تاركاً الخمس الأخير للأحزاب القنوعة!
في الموازاة، تراجع عدد الاحزاب الممثلة في المجلس من ثمانية أحزاب إلى خمسة، وبدلاً من أن يتنامى تمثيل المرأة في مجلس النواب تمشياً مع مستلزمات التحول الديمقراطي وترتيباً على تضاعف عدد الناخبات سبع مرات منذ 1992، تراجع إلى النصف.
ومٌذ ازداد التنافس على الدوائر حدة من موسم انتخابي إلى أخر، اكتسبت الانتخابات طابع المواجهة المصيرية بين المتنافسين حد تحول صناديق الاقتراع، في بعض الحالات، إلى صناديق ذخيرة، ومراكز الاقتراع إلى سرادق عزاء.
ولما كانت الأغلبية المريحة، فالكاسحة، مؤمَّنة في قبضة السلطة، بفعل ديناميات النظام الانتخابي متظافرة مع انعدام التكافؤ، فقد اتخذت الانتخابات النيابية الأخيرة ملمحاً تأديبياً في دوائر بعينها قرر فيها الطرف الأقوى، سلفاً وبصرف النظر عن «صوت الجماهير»، إسقاط ممثليها عقاباً على ما قدموه لأنفسهم خلال أدائهم البرلماني والسياسي.
وعلى الجملة فإن النظام الانتخابي إذ ساهم في زيادة غلة المؤتمر الشعبي من الدوائر، أصاب الحياة السياسية بالشيخوخة المبكرة، وأضعف، دورة تلو أخرى، عامل تمثيل الانتخابات لإراداة الناخبين، ما خفف من الوزن النسبي -الخفيف أصلاً- للسلطة التشريعية في النظام السياسي، مسبباً تأكلاً متسارعاً في مصداقية العملية الانتخابية كمدخل للتغيير السلمي الديمقراطي. وعندما تٌختزل الديمقراطية إلى انتخابات قبلوية الأحكام، تتعطل وظائف النظام السياسي وتنسد شرايينه وتكف الأحزاب عن تجسيد وظائفها السياسية وأهمها استيعاب وتمثل مطالب واحتياجات الفئات والشرائح الاجتماعية. والبديل؟ انتعاش العصبيات ما قبل الوطنية وتقدمها لملء الفراغ. كذلك فإن تشكيلة الحكومة الحالية وحروب الصغار داخل الكتلة البرلمانية للحزب الحاكم وأحداث صعدة، منظوراً إليها من هذه الزاوية، تبديات ساطعة لأزمة نظام، انتخابي وسياسي!
يرتبط تمثيل المرأة والأحزاب عضوياً بالنظام الانتخابي، والموضوعان محكومان بالثقافة السياسية السائدة وبالتوقعات الانتخابية لكل حزب على حدة، وهي جميعاً تصلح لتوظيفها في تحليل مواقف الأطراف المعنية من قانون الانتخابات.
نظام الأغلبية النسبية بأسلوب الدائرة الفردية المعمول به في اليمن منذ ما قبل الوحدة ينتهي إلى نظام سياسي قائم على قطبية ثنائية، وبالتالي فإن الحزبين الكبيرين الأقوى تنظيماً والأكثر تصالحاً مع القيم السياسية الراهنة يحققان عبره أغراضهما. كذلك هو موقف المؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للإصلاح. والأخير يجد في استمرار اعتماد هذا النظام ما يعفيه من الاستجابة لتحدي تمثيل المرأة في قوائمة الانتخابية.
في المقابل فإن الحزب الاشتراكي اليمني الذي يكابد ضعف الامكانات ووهن الأداة التنظيمية، يجد في نظام التمثيل النسبي (القائمة) بغيته لتحقيق صيغة سياسية وطنية يتمتع فيها بموقع القطب الثالث الذي يجذب إلى مجاله أحزاباً سياسية متوسطة وصغيرة قريبه منه.
وبالنسبة للمرأة فإن نظام التمثيل النسبي يضمن لها حضوراً فاعلاً في الهيئات المنتخبة (والبرلمان في الصدراة) في حال فرضت شروطها على الهيئات الحزبية عند تصميم قوائم المرشحين.
الحديث عن تغيير النظام الانتخابي ما يزال يجري في حقل الأمنيات. ولايظهر أن حزباً من الأحزاب اشتغل جدياً على هذا الموضوع. وحتى الحزب الاشتراكي الذي يتبنى نظام التمثيل النسبي. لم يبذل أية جهود لتسويغ الفكرة لدى حلفائه في اللقاء المشترك، ربما لأنه مسكون بيقين الخسران.
لا حديث عن تغيير النظام يجرى في الضفة الأخرى، حيث يربض المؤتمر الشعبي العام حارساً «مكتسباته الديمقراطية» وفي مقدمتها أربعة أخماس مقاعد مجلس النواب. وللدقة يمكن رصد تصريح يتيم للرئيس علي عبدالله صالح أطلقه عقب الأستفتاء على تعديلات دستورية 2001 وردت فيه اشارة إلى إمكان التفكير في اتباع نظام التمثيل النسبي.
عدا ذلك قد يتذكر البعض مبادرة لمحمد عبدالمجيد القباطي رئيس الدائرة السياسية للمؤتمر الشعبي العام السابق قبل ثلاثة أعوام، يقترح فيها الأخذ بالنظام المختلط. ولعله من موقعه الحالي في بيروت حيث الجدل صاخب حول قانون الانتخابات يطور مبادرته مستفيداً من فكرة التمثيل النسبي على أساس الدائرة المتوسطة (المحافظة) التي تتبناها الكتلة الثالثة بزعامة سليم الحص. لعله يفعل! ولعلي أستطرد هنا لافتاً إلى سؤال وجهه إلىٌ خبير غربي قريب من النخب السياسية في الحكم والمعارضة، أنطوى على غمز من جدية الدكتور القباطي سنتئذ في طرق الموضوع... لم أجد مناصاً من القول، معتبراً بالخواتيم، بأنه كان يعبر عن محض وجهة نظر شخصية.
أيهما أصلح لليمن: أغلبية نسبية أم تمثيل نسبي؟ الأمر نسبي على ما يقول الدكتور عبد المؤمن شجاع الدين رئيس القطاع القانوني في اللجنة العليا للانتخابات، فالنظام الانتخابي كما النبته «لا تنمو إلا في واقع سياسي واجتماعي ملائم» وإذا أرادت جهة محمولة بحسن النية أن ترتقي بالنظام فعليها أن تنطلق من واقعنا.
النظام الحالي صار راسخاً -يقول شجاع الدين- ألفه المواطن منذ الستينات وكل القوانين والتعديلات عليها تمت في إطاره.
ماذا عن نظام التمثيل النسبي؟ يٌمهد رئيس القطاع القانوني في اللجنة لرأيه بالاشارة إلى كون هذا النظام يسهل كثيراً من عمل اللجنة، قبل أن يقطع بأنه لايفيد الدول حديثة العهد بالممارسة الديمقراطية، ومن شأنه أن «يذكي النعرات المناطقية والعشائرية» لأن الموطن الانتخابي يتجرد من قيمته المدنية الاندماجية مادام بوسع الناخب تجاوز حدود دائرته الانتخابية.
إذا كان النظام الحالي مألوفاً لليمنيين، حسب رئيس القطاع القانوني، فإن رأيه في نظام التمثيل النسبي خارج المألوف. فالفكرة النمطية عن هذا النظام أنه يجعل من البرامج السياسية والانتخابية للأحزاب الدليل الذي يهتدي به الناخب عند ذهابه إلى مركز الاقتراع. وهو بالتالي يعظِّم من أثر الدافع السياسي على حساب الدوافع الأسرية والعشائرية والقبلية والمناطقية. وهو في محصلته النهائية يعضِّد من فاعلية الأحزاب في الحياة السياسية، ويكفل تشكل خارطة حزبية في الهيئات المنتخبة تمثل تفضيلات الناخبين، وتفسح لأطراف المنظومة السياسية صالات اجتماعات لإدارة حواراتهم وأزماتهم «بأسلوب حضاري» بدلاً من حوارات الطرشان الراهنة أو حملات القوة العمياء التي لا تجد من يردعها داخل مؤسسات الدولة.
يتطلب نظام التمثيل النسبي -وهذا مأخذ أورده عليه د. شجاع الدين- مجتمعاً مستقراً سياسياً واجتماعياً، أو يعيش في إطار عدائي (كما في اسرائيل). ويتطلب ثانياً، وعياً سياسياً متقدماً لدى جمهور الناخبين. ويتطلب، ثالثاً وأساساً، أحزاباً مدنية ديمقراطية تتمتع بقاعدة انتخابية منتشرة في مختلف المحافظات. وهذه متطلبات لا يراها عديدون متوفرة في اليمن.
علاوة على غياب المتطلبات، يوجد عديد المحاذير من اعتماد هذاالنظام، أبرزها محذور تدني نسبة المشاركة في انتخابات ذات طابع حزبي طاغ، في مجتمع يتراجع فيه عامل التفضيل الحزبي في عدد من مناطقه إلى المرتبة الثانية.
ويبقى أخيراً أن تغيير النظام الانتخابي وإدراج «كوتا» قانونية للنساء في مجلس النواب، يستلزم تعديلاً دستورياً يلغي المادة(63) التي تنص على تقسيم اليمن إلى (301) دائرة (....) ينتخب عن كل دائرة عضو واحد. علماً بأن تعديل هذه المادة يستوجب عرضها على الشعب للاستفتاء بعد موافقة ثلاثة أرباع المجلس.
وإذاً فإن تعديل النظام الانتخابي يستوجب تعديلاً دستورياً، وهذا يتطلب استفتاء الشعب عليه، لذلك فقد انصرف جهد الأحزاب واللجنة العليا للانتخابات بالتعاون مع منظمة «آيفس» في تطوير القانون إلى الاجراءات الفنية، لا إلى الحلول الإبداعية. وتتضمن توصيات «آيفس» نقاطاً جوهرية تتصل بالتقسيم الانتخابي ومشاركة المرأة في إدارة العمليةالانتخابية، والموطن الانتخابي، والتوصية المهمة هناهي عدم اعتبار مقر العمل موطناً انتخابياً (هذه أحد مطالب الاشتراكي الآن، علماً بأنه قاومها بشدة أثناء مشاركته في السلطة مطلع التسعينات متكئاً على ثقله داخل القوات المسلحة!).
أياً ما كان الأمر فإننا نجد نظاماً انتخابياً مألوفاً أفرز مجالس نيابة لا تمثل بدقة الهيئة الناخبة، وتراجع فيها عدد الأحزاب الممثلة إلى خمسة، وبدلاً من أن يُطوِّر النظام السياسي بإتجاه القطبين، آل إلى مايشبه نظام الحزب الغالب (المسيطر) ما أدى إلى خفض وزن السلطة التشريعية. وفي حين زاد عدد الناخبات سبع مرات، انحسر وجودهن بحدة في قوائم المرشحين وانحصر تمثيلهن في نائبة واحدة.
في المشهد لا تظهر أحزاب اللقاءالمشترك متشاركة في تصوراتها لتطوير القانون وإصلاح النظام الانتخابي. وأبعد من ذلك نسي حزبا الإصلاح والاشتراكي شركاءهما وذهبا إلى «أيفس» و«اللجنة العليا للإنتخابات» بورقتين متناهضتين. وإني لأعجب من تشدد قادة هذه الأحزاب في دعوتها المؤتمر الشعبي العام إلى التعامل معها باعتبارها كتلة واحدة بالرغم من أن قلوبهم شتى، أم تراهم يتشبثون بالدخول إلى قاعة الحوار من باب واحد لكيما يغادرون، كالعادة، من أبواب متفرقة؟
* الرئيس.. الشيخ.. وحالة "اللايقين"
بعد 15 سنة من الممارسة الديمقراطية، فإن الخبرة التي تراكمت لدى النخب السياسية في الحكم والمعارضة هي «الخوف من الديمقراطية».
وبعد 15 شهراً من الآن ستجرى ثاني انتخابات رئاسية في الجمهورية اليمنية، وفيما عدا تحكم طرفين اجرائياً بسيرها فإن الأمور ما عادت هي وقت جرت الانتخابات الأولى.
اجرائياً يتحكم المؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للاصلاح بتقرير تنافسية هذه الانتخابات من عدمها. الأول بقبول إخضاع الموقع التنفيذي الأول للتنافس الحقيقي، والآخر بتقديم مرشح منافس من حزبه أو من المعارضة مجتمعة، أو على الأقل بتزكية مرشح المعارضة في الاجتماع المشترك لمجلسي النواب والشورى.
موضوعياً فإن في وسع أحزاب اللقاء المشترك تحويل الانتخابات الرئاسية إلى «محطة تزويد وقود»، في رحلة التحول الديمقراطي الشاقة، إما بالعمل من أجل أن تكون مدخلاً للاصلاح السياسي، أو بأن يكون هذا الأخير مدخلاً إليها.. إما أن تتفق على برنامج الحد الأدنى ليكون برنامج مرشحها إلى الرئاسة، أو تثمير مناخ المبادرات الدولية الخاصة بالإقليم وما يصفه البعض بربيع الديمقراطية العربية، وصوغ مشروعها هي للاصلاح السياسي ليكون مدخلها إلى الرئاسة.
في الحالتين يمثل التحرر من الخوف الشرط اللازم لاجراء الانتخابات الرئاسية في أجواء مواتية، فلا تكون «عرساً» ولا «مأتما» ديمقراطياً!
ان لم تكن الانتخابات الرئاسية محطة تزود بالوقود الديمقراطي، فلن تكون سوى الهاوية يتجه صوبها الجميع، حكاماً ومعارضين، وهم يتوهمون أنهم يتفادونها، بالتجاهل تارة وبالتعامي تارةً أخرى.
أجريت الانتخابات الرئاسية السابقة (سبتمبر1999) في أجواء قلق دفعت الحكم في اللحظة الأخيرة إلى حجب التزكية عن مرشح المعارضة، ولا شيء يدعو إلى الشك في أن تجرى الانتخابات المقبلة في ظل هيمنة حالة «اللايقين»، ما قد يشجع الأطراف المعنية على الاقدام على مغامرات متى غامت المسؤوليات ولم تجدِ المساومات.
حالة اللا يقين الراهنة ناتج جملة معطيات محلية واقليمية ودولية طرأت مؤخراً وما تزال مفاعيلها مستمرة وتأثيراتها نافذة حتى إنْ غاب الحس السليم بها لدى النخب الحاكمة والمعارضة في المنطقة.
في الانتخابات الرئاسية السابقة كان الاصلاح ما يزال يمارس هوايته المعروفة: الفصل الاستراتيجي بين الرئيس علي عبد الله صالح وحزبه، معلياً من مكانة الأول ومبخساً من قدر الثاني وجدارته في تلميع الكرسي الرئاسي. وقد آل الحال إلى حسن المآل، فكان الرئيس علي عبدالله صالح مرشح الاصلاح إلى الرئاسة قبل أن يكون مرشح المؤتمر.
يبدو الاصلاح الآن فاقداً ملكة التمييز بين الرئيس وحزب الرئيس بفعل ديناميات النظام الانتخابي التي حددت إقامة الاصلاح عام 2003 كحزب متوسط الثقل، وبفضل تراجع ضغط العلاقة المميزة بين الرئيس صالح والشيخ الأحمر، بسبب تحولات شتى تندرج ضمن مخطط إعادة توزيع الأثقال النسبية داخل الحكم دشن أواخر العقد الفائت.
وها إن الاصلاح أضحى مكشوفاً أكثر مما تصور قياديوه، تحت «الشمس الحارقة» التي اختارها رمزاً انتخابياً له عوض هلال أتاح له في ما مضى نسج خيوط غير مرئية بكافة مؤسسات القوة في الوقت ذاته الذي كان يتصدر المعارضة في الشارع العام. فإذا به في اللحظة الراهنة عرضة لضربة شمسه هو، بدلاً من مزاحمة (المؤتمر) على قلب الرئيس. وإذا هو مدفوعاً إلى الاقتراب، وئيداً ولكن أكيداً، من معارضي الرئيس، متوسلاً بالموازاة مظلة دولية تقيه هجير الشمس الحارقة، مؤملاً بنجاعة منهج «عدم الاستقرار البناء» الذي يتخذه راسمو السياسة المحافظون في البيت الأبيض، هادياً في مقارباتهم شؤون المنطقة العربية، وما يفرزه هذا المنهج من سياسات تصب افتراضياً في خانة «الاسلام المعتدل».
كذلك فإن التنائي الاصلاحي مع الرئيس يقابله التداني مع معارضي الداخل، والتفاني في تكييف الذات مع الخارج. وبدلاً من التباهي باستراتيجية التحالف مع الرئيس التي ضجت أسماعنا قبل الانتخابات الرئاسية السابقة وبعدها، لم نعد نسمع الآن من الاصلاحيين إلا نغمة معارضة حادة تطال أحياناً الموقع التنفيذي الأول، وإلا فعتاب مغموس بالمرارة في تصريحات الشيخ الأحمر، وإلا فإشارات مغلفة بنكهة المناكفة تصدر من محمد قحطان رئيس الدائرة السياسية، دون أن يزجره شيوخ الحزب كما كان الحال في ما مضى، تفيد بعزم الاصلاح الذهاب بعيداً في تعاطيه مع الاستحقاق الانتخابي المقبل، كقوله بنبرة يقينية لصحيفة «الخليج» الاماراتية إن الاصلاح لن يخوض الانتخابات الرئاسية إلا بالتنسيق الكامل مع شركائه في اللقاء المشترك، وإحيائه في الحديث نفسه، الجدل حول أحقية الرئيس في الترشيح مجدداً بإعتبار أن دورته الحالية هي الثانية، رغماً عن التعديلات الدستورية التي تتضمن مادة تنص صراحة على اعتبار الدورة الحالية للرئيس أولى.
إلى الاصلاح الذي فقد ملكة التمييز، اكتست مناطق أخرى في قاعدة الحكم باللون الرمادي بعدما كانت في الانتخابات السالفة ناصعة البياض بفضل حالة الصفاء الذي اتخذته في الرئاسية حيث المؤتمر مع خصوم الاشتراكي في مواجهة الاشتراكي، وفي الانتخابات النيابية حيث المؤتمر مع خصوم الاصلاح في مواجهة الاصلاح. والثابت أن صفو التحالف الاول تعكر أثناء مخاض التشكيل الحكومي الراهن وبعده، وصولاً إلى لجوء السفير الحسني إلى لندن الأسبوع الفائت. ولم يتعكر صفو التحالف الآخر فحسب، بل يكاد يتقوض بتوابع الحربين الأولى والثانية في صعدة.
فضلاً عن تقلبات الداخل، تجيء تحولات الخارج لتعزز من حالة اللايقين. فالأنظمة العربية تعيش في وضعية انكشاف منذ أحداث 11 سبتمبر، وما تلاها من حروب استباقية في المنطقة، أدت إلى احتلال العراق لتمسي الولايات المتحدة دولة شرق أوسطية، تريد من حلفائها في الحرب على الارهاب أن يكيفوا جيوشهم ومؤسساتهم الأمنية للعب دور واحد فقط هو دور حرس الحدود والطرقات كيما تعبر اساطيلها وبوارجها في سلام بعيداً عن تشويش العدو العلني: الإرهاب.
وإذن، فإن منهج «عدم الاستقرار البناء» يضع الأنظمة موضع السخط واللوم، بعد طول إقامة في حصن «الحلفاء التقليديين» الذي وفرته الادارات الامريكية المتعاقبة منذ الاربعينيات لحكام المنطقة. ومن دون الإيغال في التبشير بفاعلية حرب «كسب القلوب العربية» يؤكد الوضع الماثل أن الأنظمة الحاكمة تواجه موجة ضغط امريكي وغربي متعالية يلزمها الحس السليم بالمسارعة إلى الاصلاح تنفيساً لاحتقانات الداخل وامتصاصاً لضغوط الخارج.
نقطة الانطلاق في ملء خزانات الديمقراطية الفارغة بالوقود، تكون بالكف عن خوض الاستحقاقات الانتخابية بمنطق «التنازل عن شيء تنازل عن كل شيء»، ما سيمثل مدخلاً إلى حوار بناء بين أطراف المنظومة السياسية حول أولويات الاصلاح السياسي، أخذاً في الاعتبار أن مواصلة لعب السياسة بأسلوب المباريات الصفرية لا يتيح مجالاً لابرام صفقات من ذلك النوع الذي عرضه الزميل علي الجرادي في مقاله المنشور في عدد «النداء» السادس (20/4/2005) وفيه إيماءة إلى اصلاح سياسي تدرجي يفصل تدريجياً رأس البلاد عن جسم السلطة التنفيذية، أو بتعبير الجرادي يتيح تداولاً سلمياً للحكومة.