الأربعاء، 11 نوفمبر 2015

عذبوا محمود ياسين بالكهرباء، ووضعوا محمد حسن دماج في مخزن ديزل معرض للقصف الجوي مدة اسبوعين

عن الحوثيين باعتبارهم "نسخة مطورة" من ممارسي التعذيب في اليمن!
عذبوا محمود ياسين بالكهرباء، ووضعوا محمد حسن دماج في مخزن ديزل معرض للقصف الجوي مدة اسبوعين

___________________________________________
الشاب نصر حسين شمسان الحمادي، 17 عاما، اختطفه الحوثيون "الملثمون" قبل 3 أيام من محل والده في التحرير، واختطفوا معه عمه وصهره. وعلى الأرجح فإنه محتجز في معتقل تابع لجهاز الأمن القومي.
يمكن ان يكون هذا الحادث نتيجة التباس معلوماتي أو وشاية. ويحتمل انه حدث محمولا على "كراهية" أو "انحراف" بقصد الابتزاز والسرقة.
لكن ماذا يضمن أن يتم تصحيح الخطأ سريعا، فيخرج المختطفون بسلام من "أدغال" الحوثيين؟
ماذا يضمن أن يخرج هذا الشاب سليما من براثن الحوثيين بعد الاشتباه به أنه مؤيد للعدوان؟
ماذا يضمن أن يخرج المئات في العاصمة صنعاء من زنازين الحوثيين بسلام بعد ان انتشرت روائح الجلادين الكريهة في أرجاءا ليمن؟
ماذا يضمن أن يكون مصير نصر، والآلاف من "النصريين" مختلفا في عالم "أنصار الله" عن مصير الهمداني وأمين الشفق ومحمود يس وصحفيي ذمار الذين قتلوا في غارة جوية لمنطقة تم وضعهم فيها رغم التحذيرات؟
***
الحوثيون صاروا محترفي تعذيب وحرق أعضاء جسدية حساسة. الحوثيون ساديون في سلوكهم ضد ضحاياهم دون تمييز.
هذا هي خسارتهم الكبرى بصرف النظر عن نتائج أية حرب أو مجريات أي قتال في اليمن.
لقد سقطوا اخلاقيا.
وانتقلوا من أصحاب "مظلمة"_ بصرف النظر عن أي خلاف حول دعاوى أطراف حروب صعدة ال6_ إلى ظالمين مستكبرين يخوضون حروبهم بالتحالف مع الرئيس السابق ضد كل اليمنيين.

_ لقد وضعوا الأستاذ محمد حسن دماج، وهو رجل تعدى ال70 من العمر، في مخزن ديزل في منطقة بصنعاء معرضة لقصف الطيران، مدة اسبوعين.
_ هناك غموض في مصير الأستاذ محمد قحطان القيادي الأصلاحي البارز. وهو رجل كان عبدالملك الحوثي والصف الأول من القيادة الحوثية يتوجهون معه، كتفا إلى كتف، إلى الكعبة في الصلوات في فندق موفنبيك او في مقرات الحوثي في صعدة بينما فلاشات الكاميرات تلمع مسجلة "الإخاء الاسلامي" للجمهور اليمني وللسفراء الغربيين.
يا للاخلاق الرفيعة!

أين هو محمد قحطان؟
باستثناء رواية عن مقتله في غارة جوية سعودية، نقلها الأستاذ علي البخيتي عن مصدر قيادي حوثي رفيع، لا جديد بشأنه.
هناك من يقطع بانه في سلام وأن واقعة مقتله ليست صحيحة.
لكن الحوثيين المؤمنين الذين يخوضون حروبهم الاستردادية باسم الله، ويحيوون المولد النبوي الشريف وذكرى استشهاد الإمام زيد، لا تلزمهم أخلاقهم الرفيعة بإطلاق سراحه ووضع حد لمعاناة اسرته وأحبته، أو حتى السماح له بالتواصل، عبر الموبايل، مع زوجته وابنائه.
****

لم يسبق لأية سلطة يمنية أن قامت بفعل يماثل هذا الفعل في وحشيته. وعندما خرجت ثورة ضد الرئيس صالح في فبراير 2011 ظن اليمنيون أن حقبة التعذيب بالكهرباء والاخفاء القسري قد طويت إلى الأبد.
لكن الحوثيين اثبتوا أنهم أصلا لتواريح وسير جلاديهم. وبينما اليمن يتخبط في الظلام جراء انقطاع الكهرباء، يفومون هم بإيصال شحنات كهربائية إلى "أوصال" ضحاياهم في المعتقلات السرية في العاصمة والمحافظات.


بالأمس استمعت من الزميل والصديق محمود يس إلى تفاصيل حول تعذيبه بالكهرباء في معتقل الأمن السياسي في إب.
كنت قد نشرت قبل اسبوعين عن واقعة تعذيب محمود بناء على مصادر خاصة في إب. لكنني لم اتصور أن تبلغ بهم الخسة حد تعذيبه بالكهرباء.
أخر صحفي تعرض لتعذيب في معتقل امن سياسي من هذه الشاكلة كان في الثمانينات.
لكن الحوثيين يجترحون المعجزات. ومنها تعذيب الكتاب والناشطين بالكهرباء التي انقطعت كليا عن أغلب المحافظات الشمالية منذ 4 أشهر.
إن كانوا عذبوا صحفيا وكاتبا مثل محمود يس بالكهرباء فمن في وسعه تصور التعذيب الذي ناله ناشط سياسي مثل أمين الشفق (إصلاح) تحمس لمبادرة "مسيرة الماء" وشارك في التحضير لها؟
كانت مصادر قد ذكرت أن العمود الفقري للأستاذ أمين الشفق قد تأذى لشدة التعذيب.
لنأمل أن يكون بخير.
***
هذه الممارسات الفاشية والسادية ليست مرتبطة بأجواء الحرب و"العدوان" كما يطنطن الحوثيون.
فالثابت أن الحوثيين مارسوا التعذيب فور اقتحامهم صنعاء. بل إن هناك شابا من همدان قتل بالتعذيب لمجرد مشاركته في مسيرة سلمية.
****
هناك مئات الجرائم التي وقعت في صنعاء، وفي محافظات يمنية أخرى، منذ سبتمبر 2014.
الحوثيون يتصرفون حيال المجتمع اليمني كأنهم من عالم آخر. لكأنهم جماعة ضد جماعة. ل1لك يصير كل مواطن من خارجهم هدفا مستباحا في أية لحظة.
***
الحوثيون يتحولون، كما أي جماعة مسلحة خارج القانون، من الشعارات الكبرى إلى ممارسة الجريمة باسم الله وباسم الثورة وباسم القرآن.
حدث هذا مرارا عبر التاريخ. ["الحشاشون" في عصور انهيار الخلافة العباسية على سبيل المثال، فقد انتهوا إلى مجرد عصابات جريمة تمارس القتل لحساب الغير، و"طالبان" التي اشتغلت في تجارة المخدرات، وجماعات مقاومة في سهل البقاع في لبنان اشتغلت في تجارة الحشيش، الخ...]

المفترض حيال جماعة من شاكلة الحوثيين، لها مركز قيادي موحد ومبجل، ان هذه القيادة ليست في معزل عن هذه الجرائم الخطيرة التي برتكبها مسلحو الجماعة ضد المواطنين الأبرياء.
هي المسؤولة أولا وأخيرا عن أية جرائم.
يحدث ان يختطف الحوثيون "مواطنا" من منزله أو من محله، باعتباره "عدو" المسيرة القرآنية ومؤيد للعدوان. يختفي عدة أيام. ثم يطلقون سراحة بعد تشليحه من كل أمواله.

لا جدبد في عالم "اللجان الثورية"و"المسيرة الخضراء".
لا جديد باستثناء أن حالة الفلتان الميليشياوية في العاصمة صنعاء تتفاقم وتنتشر إلى مناطق جديدة وضحايا جدد.
صنعاء مدينة كبرى. يحدث فيها كل يوم فظاعات لكن من دون أن يتنبه أحد إليها في أجواء الحرب والحصار و....والخوف.
***
الحوثيون ليسوا من كوكب آخر.
هم يمنيون كغيرهم.
هذا البلد بلدهم مثلما هو بلد اليمنيين الآخرين.
عليهم ان يتداركوا هذا النزيف في سمعتهم وفي اخلاقهم وفي صلاتهم بأبناء وطنهم.
والأيام "دولة" بين اليمنيين!

الأحد، 8 نوفمبر 2015

من واجب اليمنيين تأمين "وداع" في صنعاء يليق بمكانة الإرياني

 لتكن وفاة الإرياني مناسبة لاختبار ما تبقى من "انسانية" أطراف الحرب التي تدمر اليمن!
         ترجل بعيدا عن أمتاره الخمسه في "يمن" كان من أبرز مهندسيه وألمع سياسييه!
  _________________________________________
       
      
           رحم الله الدكتور عبدالكريم الإرياني. أحد أهم السياسيين اليمنيين منذ نصف قرن. لعب أدوارا بارزة في السياسة والإدارة منذ مطلع السبعينات.
         

       أسهم بعد الوحدة، وبخاصة بعد حرب 1994 في تصميم النظام السياسي القائم على "الحزب الغالب" أو "الحزب المسيطر". برعايته جرت عملية تحويل "التنظيم السياسي" لنظام الرئيس صالح في اليمن الشمالي (حيث المؤتمر الشعبي هو البديل السياسي للتعددية الحزبية والمعادل السياسي للحزب الاشتراكي في اليمن الجنوبي) إلى "حزب مسيطر" من خلال "اغلبية كاسحة" في انتخابات 1997 ثم "أغلبية ساحقة" في 2003 ف"اغلبية مميتة" في انتخابات 2006 المحلية.
        
      تابع حضوره السياسي الطاغي في 2011 عندما قامت ثورة شعبية ضد الرئيس صالح، إذ لاح وكأنه يتفهم دواعيها ومطالب شبابها. وقد اقترب لاحقا من الرئيس الجديد هادي محاولا إدارة انتقالة أخرى في "الحزب المسيطر" تتيح "خروج مشرف" آخر لصالح من رئاسة التنظيم الذي أسسه في مطلع الثمانينات وصار "حزبا" حاكما في مطلع التسعينات، فحزب "الحاكم" حتى 2011، فحزب نصف حاكم بعد 2011، ثم انتهى به المطاف إلى حزب متنازع عليه بين الحاكم السابق في صنعاء والحاكم الراهن المقيم في الرياض.
               ***
           هو أحد العناصر الأساسية للدارسين والباحثين والصحفيين اليمنيين والعرب والأجانب لفهم اليمن؛ عنصر عالي القيمة لكل راغب في قراءة متعمقة للحالة اليمنية المعقدة. فهو فاعل في السياسة والإدارة والحرب والحوار لا غنى لأي دارس أو باحث عن تتبع سلوكه السياسي ومواقفه وأدواره منذ نصف قرن. وهو أيضا قطب جاذب لكل أولئك الذين يقتربون من اليمن أو يدرسونه أو يؤثرون في قراره، يسمعون منه ويستمزجون رأيه ويستهدون بتقديراته وأحكامه. من هذه الزاوية يمكن فهم بقائه في موقع التأثير والنفوذ السياسي منذ مطلع السبعينات على رغم تعاقب الرؤساء والانقلابات والحروب، وعلى الرغم من التحولات الكبرى في اليمن التي دفعت بعديدين من مجايليه إلى الظل، وأحيانا إلى "دار البقاء"!
                  ***
         الإرياني ليس مجرد سياسي يمني داهية. فهو الوريث النجيب لأسرة يمنية عريقة (من فئة القضاة) كانت حاضرة في المجال السياسي والثقافي اليمني منذ قرون. وهو أحد اقارب الرئيس اليمني الأسبق القاضي عبدالرحمن الإرياني (1967_ 1974) أحد أبرز رجال السياسة والثقافة في اليمن في القرن العشرين. وهو شقيق الشاعر والأديب اليمني الكبير مطهر الإرياني أحد أهم من شكلوا وجدان اليمنيين منذ مطلع الستينات بأشعاره وبحوثه وقصائده الغنائية الوطنية التي صارت علامات في سجل "الإبداع اليمني" وملحمة "الوطنية اليمنية".
             ***
        الإرياني هو السياسي اليمني الأكثر إثارة للجدل في العقود الأخيرة. فهو، ولا جدال، ذو توجهات وطنية صريحة. وفي بعض اللحظات تبدى وطنيا متعصبا، بل قحطانيا متحيزا كما هو الحال بالنسبة لعديدين من أسرته وكثيرين من فئة "القضاة" في اليمن.

إلى خلفيته الأسرية التقليدية، لاح قوميا عربيا في غالب الأحيان. ومن المعلوم أنه التحق بحركة القوميين العرب في النصف الثاني من عقد الخمسينات عندما كان ل"القومية العربية" بطلها في القاهرة، وجماهيرها العريضة في العالم العربي، وأحزابها وحركاتها السرية الفتية في المشرق العربي والخليج والجزيرة.
لكن الإرياني الذي تحصل على شهادة الدكتوراه في الاقتصاد الزراعي (نهاية الستينات) من الولايات المتحدة الاميركية صار، لاحقا، قوميا معتدلا عند القوميين [بل قوميا متأمركا عند المتطرفين و"السلفيين" منهم] قدر ما بدا وطنيا يمنيا متعصبا في "عدسة" السعودية التي صارت الفاعل الأول في اليمن الشمالي في مطلع السبعينات. وهو أيضا لاح "ليبراليا" مستفزا في عيون رفاقه "الحركيين" وأصدقائه اليساريين.
              ***
        كل هذه الأبعاد والتحولات وزوايا النظر المتعددة والمتباينة جعلت من الإرياني رجلا "اشكاليا" بامتياز. هو موضع النقمة قدر ما هو محل الرجاء. هو رجل من الماضي لكنه من موقعه في "القمة" يصوغ المستقبل. وبعد 2011 لم يغادر الارياني السياسة كما توقع كثيرون وكما أمل هو. إذ أن الأزمة في الرئاسة الجديدة التي لا تترأس "حزب الرئيس" السابق، أبقت عليه مطلوبا في عالم السياسة. بل إنه صار "قناة الوصل" بين الرئيس الجديد وسلفه، وبين الرئيس و"حزب الرئيس" قبل أن ينحاز كليا إلى الرئيس هادي، ويحضر "مؤتمر الرياض" بعد انقلاب الحوثيين على "الشرعية التوافقية" وانتقال الرئيس الجديد إلى السعودية بالموازاة مع انتقال الرئيس السابق إلى "صعدة" بالسياسة وبالحرب.
                        ***

       لم يتفرغ الإرياني، وهو مثقف عميق وصاحب دراية واسعة باليمن وبالتاريخ والتراث، للكتابة من أسف. وكل من جالس هذا اليمني الاستثنائي يعرف أي مثقف كانه بمعزل عن حكمه في أي سياسي هو.
        الإرياني كما أي سياسي أمضى أغلب عمره قريبا من السلطة أو فاعلا رئيسيا فيها، يميل إلى التلميح في نقاشاته لكنه لا يمانع من التصريح إذا اطمئن إلى جلسائه. وهو كمثقف معتد بنفسه، يدرك قيمته وأهميته، ينحو إلى التقشف في الكلام في اللقاءات المفتوحة تاركا ل"أهل الخفة" المنصات والمكروفونات.
          

       كان الأقصر قامة بين أولئك الذين تصدروا المشهد السياسي في اليمن في العقود الأخيرة، لكنه كان أعلاهم قيمة وأشدهم أهمية وألمعهم حضورا. كان الأقصر إذ بالكاد يتعدى المتر والنصف متر، لكنه أطولهم عمرا في السياسة كما في الحياة، وأطولهم جذورا في السياسة كما في "الحكم".
      ويحضرني للتو وصف للأستاذ طلال سلمان محرر جريدة "السفير" البيروتية يكثف "شخصية" الإرياني، إذ قال _ وأنا هنا لا انقل تعبيره حرفيا_ إن من يلتقيه يخال أن هذا الرجل يبلغ من الطول "مترا ونصف المتر فوق الأرض، وخمسة أمتار تحتها"!
     والآن؟
     والآن، في هذا المساء الصنعائي الحزين، فإنه ما عاد حاضرا على أرض السياسة في اليمن، فقد توفاه الله قبل ساعات في أرض تبعد آلاف الأميال عن مسقط راسه. وصار من واجب اليمنيين أن يودعوا هذا الرجل بما يليق، وأن يجدوا سبيلا لنقل جثمانه إلى اليمن التي وهبها عمره. صار من الواجب أن يترفع اليمنيون على جراحهم واحقادهم ورغباتهم وعصبوياتهم، وأن يجعلوا من غياب أبرز سياسييهم فرصة لاختبار صلاحية ما بقي من "انسانيتهم" بعد 8 شهور من القتل والتخريب والتدمير والتجريف، وأن تتضافر جهودهم كيما يتاح للدكتور الإرياني، "القصير" والعميق، اللماح المتقشف، المناور المتجذر، الالتحاق بامتاره الخمسة الأخرى في بقعة ما، تحت هذه الأرض التي أحبها ووهبها من فكره ودهائه وعلمه، الكثير.

السبت، 24 أكتوبر 2015

دروس في "الحرب الأهلية اليمنية _الاقليمية"

_ تفخيخ الهوية الوطنية بمشاريع مقامرة يعني تهيئة "اليمن" لفوضى الميليشيات"
_ مخرجات الحوار الوطني تخدم تيارات العنف و"الجماعات العصبوية"المسلحة لا "الأحزاب السياسية"
 _ القفز على البديهيات هو أسرع طريق إلى الهاوية، والرئيس لا يمكن أن يحكم ضدا على "حزب الرئيس"
    _ المضاربة بين الأحزاب والجماعات محتملة في السياسة لكنها مدمرة في المراحل الانتقالية للأوطان
__________________________________________________ 
 
      يدفع اليمنيون منذ 3 سنوات ضريبة "القفز على البديهيات" في إدارة المرحلة الانتقالية من قبل سلطة الوفاق التي قامت بناء على تسوية اقترحتها "المبادرة الخليجية"، تسمح بخروج الرئيس صالح من الرئاسة ومجيئ نائبه هادي على راس سلطة يتقاسمها حزب الرئيس المثور عليه في 2011 وأحزاب اللقاء المشترك التي التحقت بشباب الثورة الشعبية بعد تلكؤ، ثم سيطرت على الساحات وفاوضت باسمها.
شملت التسوية منح الرئيس السابق ورجاله حصانة من الملاحقة القانونية، ومنح الرئيس الجديد صلاحيات فوق رئاسية تجعل منه حاكما بصلاحيات بلا ضفاف، وحكما لا راد لأحكامه من قبل أية سلطة في الدولة.
أبقت التسوية على "المنصب التنفيذي الأول" في الدولة في حوزة "المؤتمر الشعبي العام"، ومنحت هذا الحزب (أي حزب الرئيسين المغادر والوافد) نصف أعضاء الحكومة الجديدة، في مدة انتقالية من عامين اثنين تبدأ من انتخاب الرئيس الجديد (الاستفتاء عليه شعبيا) في 21 فبراير 2012.
***يدفع اليمنيون منذ 3 سنوات ضريبة "القفز على البديهيات" في إدارة المرحلة الانتقالية من قبل سلطة الوفاق التي قامت بناء على تسوية اقتر
كانت البديهيات تقتضي مغادرة الرئيس صالح السياسة بعد الرئاسة. فالحصانة تعني ضمنيا اعتزال السياسة، والخروج مؤقتا_ على الأقل_ إلى حين الانتهاء من المرحلة الانتقالية. والتقاسم في السلطة بما في ذلك حلول رئيس جديد في الرئاسة محل الرئيس السابق، يفترض انتقالا مماثلا في "الحزب الحاكم" أو "حزب الحاكم" يجعل من الرئيس هادي رئيسا للمؤتمر الشعبي العام إلى حين اجراء انتخابات رئاسية جديدة.
لم يعتزل صالح السياسة مع انتخاب هادي، بل بدا مصرا على العودة من بوابة "الحزب" الذي يرأسه. فتسبب هذا الإصرار في تبلور صيغة غير مسبوقة في العالم العربي، وبخاصة في دول الربيع العربي، لأن الرئيس لم يعد الرئيس؛ رئيس الجمهورية ليس هو رئيس "الحزب الحاكم" الذي صار_ نظريا_ حزبا نصف حاكم. أي أن "حزب الرئيس" لم يعد في رئاسة هادي "حزب الرئيس" بل "حزب الرئيس السابق".
يتعاظم الأثر السلبي (التحريفي) لهذه الصيغة إذا تذكرنا أن "رئيس حزب الرئيس الجديد" هو "الرئيس المؤسس" الذي خلع عليه المنافقون والمتملقون بعد خروجه من دار الرئاسة، وصف "الزعيم" بما يوحي بأدوار "زعامية" تنتظره بينها التمتع بسلطة الإشراف على الرئيس الجديد الذي يشغل موقع النائب في "حزب الرئيس".
لقد مكنت الحصانة صالح من الاستمرار في "السياسة" من موقعه الحزبي (ودعك الآن من أدوات القوة الأخرى التي يتمتع بها) جاثما بثقله على "المرحلة الانتقالية"، ومؤرقا بحضوره وديناميكيته "أوديب اليمني"، أي الرئيس الجديد الذي عاش في كنف "الأب" و"القائد"، قبل "الزعيم"، آخر 20 سنة من حياته!
تعلم هادي (النائب الذي صار رئيسا بفضل ثورة ربيعية ومبادرة خليجية) من رفقته الطويلة لصالح (الرئيس الذي صار "زعيما") اللعب بالأوراق الحساسة، والمضاربة بين القوى السياسية والاجتماعية المتنافسة، لكنه افتقر وهو يمارس "الاعيب" صالح و"مضارباته" إلى قدراته ومهاراته وديناميكيته. وفي هذه الفجوة بين السياسات والقدرات يمكن تفسير الكثير من الكوارث التي حلت على اليمن منذ 2012.
لقد لعب الجميع ضد الجميع. ولعب "الرئيس" ضد "الزعيم"، و"النائب" ضد "رئيس الحزب"، وها إن الرئيس و"الزعيم" و"حزب الرئيس" جميعهم قبالة "البديهية" التي تم القفز عليها في 2012.
***
خلال العام الأول من رئاسته الانتقالية، لاح الرئيس الجديد محروما من "أداة سياسية" تمكنه من "اللعب" و"المضاربة" و"الرقص على رؤوس الثعابين".
لكنه لعب وضارب ورقص، ثم سقط "رهينة" في قبضة جماعة مسلحة بدأت منذ صيف 2012 سلسلة من "الحروب الاستردادية"، بما هي صاحبة الحق في احتكار تمثيل المحافظات الشمالية (من ذمار، جنوب العاصة، وحتى صعدة).
ضارب الرئيس الجديد، اولا، بالحوثيين ضدا على صالح و"حزب الرئيس". وهو أدار اتصالات سرية، بعيدا عن أنظار حزبه وحلفائه الاصلاحيين، مع الحوثيين لغرض ايجاد هوامش اضافية تمكنه من الحركة متحررا من ضغط "الزعيم".
ضارب الرئيس الجديد، ثانيا، بالحوثيين ضدا على حلفائه الأقوياء وبخاصة علي محسن الأحمر والتجمع اليمني للإصلاح. وفي عمران كان جليا أن الحوثيين يتحركون تحت مظلة الرئيس لا بوازع من تحدي سلطته.
ضارب الرئيس الجديد بالقضية الجنوبية ضدا على حلفائه الأقوياء في صنعاء. وهو جعل من "القضية" أداة ضغط وابتزاز واستقطاب. كذلك التهب الشارع في الجنوب غضبا من انقلاب الرئاسة والنخبة الحاكمة في صنعاء على التعهدات والالتزامات والبديهيات (وفي صدارة البديهيات الشروع فورا في سياسات جنوبية مغايرة لسياسات سلطة ما بعد حرب 1994).
ضارب الرئيس الجديد بين الجهات، وهو قارب "الشعب" من منظور عصبوي. ومن الواضح أن هادي لم يكن يرى_ من معزله الرئاسي_ يمنيين بل قبائل وعشائر ومناطق وجهات.
لم يكن هادي وحده في ما يخص "المضاربة" الأخيرة. فالحق والإنصاف يقتضيان الإقرار بأن كل أولئك الذين كانوا حوله في العاصمة _ مستشارين وقادة أحزاب وممثلي مجتمع مدني_ كانوا يقاسمونه النظرة ذاتها، ويتشاركون معه في صناعة إجماع بخصوص "أولويات" مخترعة ل"المرحلة الانتقالية" لا تنص عليها المبادرة الخليجية.
كذلك جرى ترحيل أية معالجات للقضية الجنوبية وآثار الحروب في صعدة. ذلك ان هادي والمشترك فضلوا المقامرة عبر إبقاء الأوضاع في الجنوب وصعدة ساخنة في خدمة "الهدف الاستراتيجي" المضمر، وهو تفكيك الجمهورية اليمنية إلى أي عدد من الأقاليم (الدويلات) باسم فدرالية متوهمة وغير مدروسة ومبشر بها من نخبة السلطة والأحزاب وجمهرة من ممثلي الثورة والحراك والمجتمعين المدني والحقوقي.
***
ازدهرت "ًصناعة الإجماع" إلى الحد الذي جعل من طرح أي سؤال تشككي بشأن جدول الاعمال (الانتقالي ثم الحواري) كفرا بواحا ب"الثورة" و"الحوار"، وموالاة صريحة للنظام السابق المثور عليه.
لاحقا، سادت الغوغائية والشعبوية في "مؤتمر الحوار الوطني"، وتعالت أصوات الإجماع في قاعات فندق 5 نجوم شرق العاصمة، وسط مباركة من "سفراء الدولة الراعية" للعملية السياسية في اليمن، وتنميق المعوث الدولي السابق لجدول الأعمال والوثائق النظرية التي يشارك هو في صوغها من موقعه ك"ميسر".
وبينما كان السلاح يتدفق إلى كل مكان في اليمن، من صعدة إلى المكلا، كانت المهرجانات الاحتفالية منتظمة في موفنبيك وفي مربعات أخرى في العاصمة ومدن يمنية أخرى.
ومع السلاح والمهرجانات كان الاحباط يزحف في اليمن محتلا كل يوم مربعات من وعود الثورة الشبابية وتطلعات الحراك الجنوبي الذي انخرط قسم منه في الثورة خلال اشهرها الأولى.
وفي موفنبيك كانت النخبة الحزبية اليمنية المعمرة (ومن التحق بها من شباب الثورة) يضعون، بأيديهم هم، مخطط أولى لانتشار الجماعات المسلحة في اليمن. كانوا باسم "اليمن الجديد" يرسمون خارطة يمنية جديدة تلائم الجماعات المسلحة والعصبويات الجهوية والايديولوجية التي كان ممثلوها يلتقطون الصور التذكارية في موفنبيك بينما مسلحوهم يتخندقون على امتداد الخارطة اليمنية الراهنة تمهيدا لفرض خارطة عصبوية جديدة بالسلاح.
كان "الفاقد" من قفز هادي والمشترك على البديهيات، يذهب إلى جراب الحوثيين بدرجة رئيسية، ولكن أيضا إلى جماعات مسلحة أخري أبرزها "القاعدة".
بكلمة موجزة، فإن نخبة السياسة في اليمن صممت خارطة مستقبلية تصب في صالح "جماعات" عصبوية غير حزبية، فاندلعت الحرب!
***
خلال الأشهر الماضية اختبر اليمنيون مشاريع هادي والمشترك، وتذوقوا منتجات "صناعة الإجماع": حرب مدمرة، واستقطابات راسية، جهوية وطائفية، وتفشي ثقافة الكراهية، وانتشار فاحش للمسلحين، وانحسار الدولة وتجريف اجهزتها وضعف الاندماج الوطني لصالح هويات جهوية ومذهبية متوترة.
منذ صيف 2013 _ وليس 21 سبتمبر 2014 أو يناير 2015_ والحروب الداخلية تعصف باليمنيين وبأحلامهم وبقيمهم الوطنية. لكن التبشير المتواصل لنخبة "الخراب الوطني"، والتنميق المستمر للمبعوث الدولي والسفراء الغربيين، والنفاق الدولي عموما، أخذ اليمن في فبراير الماضي إلى الهاوية: إلى الحرب الأهلية اليمنية_ الاقليمية.
***
هذه الحرب لم تكن حتمية أبدا كما يصور أصحاب الضمائر المعطوبة الذين انتقلوا من مرحلة التمجيد لحوار كيفما اتفق، إلى مرحلة التمجيد للحرب مهما دمرت وجرفت. انتقلوا من منصات قاعات فندق 5 نجوم في العاصمة إلى منصات فنادق في الدول المجاورة أو إلى فضائيات الأطراف التي صنعت الإجماع في موفنبك وصنعت الحرب في ما بعد موفنبيك.
***
لم تكن حربا حتمية أبدا.
وهي تعلمنا كل يوم معنى المحافظة على المكتسبات الوطنية، وعلى "علوية" الزطنية اليمنية على أية مشاريع عصبوية. وهي تزود اليمنيين بأدلة _ محسوسة، من نار ورصاص_ عن عواقب الانسياق وراء "صناع الإجماع" و"تجار الوطنية" و"محترفي السياسة" الذين لا يتورعون عن اللعب بالمحرمات من أجل البقاء في الصدارة.
هذه الحرب ليست حتمية.
والمأمول الآن هو ان لا تكون مستدامة.
لكن الواجب من الآن استخلاص العبر والدروس منها، والدرس الثاني الذي يتوجب استحضاره واستذكاره واستظهاره كل صباح هو أن تفخيخ الهوية الوطنية اليمنية يعني أخذ اليمن إلى "الفوضى". أما الدرس الأول الذي يتوجب البدء من الآن _ حتى والحرب مستمرة_ اعتمادة كقاعدة سلوك في إدارة الدولة، فهو ان القفز على البديهيات هو، بالحتم، قفز الى الهاوية، وأن "قِدمَ الأخطاء لا يجعل منها حقائق".

قرار تأسيسي في عدن: حظر حمل السلاح

قرار حظر حمل السلاح في عدن الذي اتخذه محافظ عدن الجديد مؤخرا، هو قرار تأسيسي شديد الأهمية في هذه اللحظة الحرجة من النزاع في اليمن. وهو قرار شجاع_ وإنْ جاء متأخرا_ يستحق الإشادة والتأييد والتفاعل الشعبي معه، بدءا من عدن.
وظيفة الدولة الأولى المقدسة هي تأمين مواطنيها، توفير الأمن للشعب، وهذه الوظيفة لا تكون إلا بممارسة السلطة الشرعية لحقها الحصري في استخدام القوة. وهذا الحق الحصري لا يكون إلا باحتكار القوة في المجال العام وحظر أية مظاهر تنافس "الشرعية" في أي من حقوقها الحصرية. وهذا هو الدرس المستفاد من "صعدة" التي لم تذهب إليها "الدولة" فانتشر "الحوثيون" في البلاد!
**

الدولة في اليمن لن يتم استعادتها إلا انطلاقا من عدن.
لن تُستعاد إلا في حال غطّت هذه الاجراءات التي بدأت في عدن، محافظات الجمهورية اليمنية جميعا، بلوغا إلى صعدة. إذ لا سيادة قانون في ظل سيادة مجزئة على أراضي ومياه الجمهورية اليمنية بين "سلطات" او "جماعات".

الجمعة، 23 أكتوبر 2015

"ميثاق الشرف القبلي" أو زفرة "الحوثي" الأخيرة!



       وثيقة الشرف القبلية آخر الشطحات "الثورجية" للحوثيين. يمرون بوثيقتهم على الحارات لحشد التأييد إليها من خلال سجلات يوقع عليها سكان العاصمة صنعاء.
   
      هذه الجماعة تبرهن كل يوم إنها من طبيعة مغايرة لطبيعة الدولة، حتى وقد انفردت بإعلان دستوري تقول إنه "خطوة ثورية"!
            ***
       مواثيق الشرف تصلح لترتيب التزامات اخلاقية على متنافسين او أطراف متمايزين أو متنافسين أو حتى متعاركين.
     لكن خاطفي الدولة اليمنية يواصلون مسيرتهم التفتيتية للمجتمع باسم "ميثاق شرف" يفرز "جمهور" الجماعة عن اليمنيين الآخرين. بكلمة أخرى فإن ميثاقهم هو فرز عن سبق إصرار بين مواطنين بهدف تكريس واقع ينقسم فيه اليمنيون إلى جماعتين في اليمن:
         _ جماعة الحوثيين وجماعة اليمنيين.
           _ بتعبير آخر، جماعة الحوثيين و"الجماعة الوطنية اليمنية"، أي الشعب اليمني.
     ***
  "ميثاق الشرف" الحوثي، هو أداة فاشستية أخرى لإثارة الشقاق بين اليمنيين وإشاعة النفاق في صفوف غير المؤيدين لهم الذين يخشون أذيتهم.
    هو من زاوية "الشرعية"، الشرعية الشعبية الحقة لا شرعية مدعاة من أي طرف، تعبير عن انكشاف لا عن امتلاء. وهو بالتالي إشارة على "قلق مصير" يستبد بجماعة تقول إنها أنجزت "ُثورة" شعبية في 21 سبتمبر 2014، وأعلنت سلطتها الثورية في 6 فبراير 2015 (الاعلان المنفرد للجماعة) لكنها في ساعة الشؤم التي تعيشها لم تعد تفكر بانتخابات عامة بل ب"التزامات" فردية من جزء من السكان بأن يقاتلوا تحت رايتها وأن يتصدوا لكل من يناهض سلطتها أو يمالئ العدوان ويناصر "الشرعية".
       هو "ميثاق" لا يحوز على أية "قوة شرائية" في أية مشاورات حول تنفيذ بنود القرار الدولي 2216 الذي يقول ولد الشيخ إن الحوثيين وافقوا عليه. ولن يكون "سندا" في يد المفاوض الحوثي في مواجهة "الشرعية" بل "دليل" آخر على أن آخر ما يكترث إليه الحوثيون هو "السلم الأهلي" في اليمن. وأن هذا "الميثاق" هو "زفرة الحوثي" الأخيرة!

الأربعاء، 21 أكتوبر 2015

مشروعان أديا إلى الحرب فاسقطتهما: ماضوية الحوثيين وتبشيرية هادي والاصلاحيين!

في هذه الحرب سقط مشروعان:
_ مشروع تحالف الحرب الداخلية، وهو مشروع تسلطي استحواذي احتلالي احلالي، يستهدف تقويض "الشرعية التوافقية" والعودة باليمن إلى ما قبل 2011 مبدئيا، وان تمايزت دوافع الحليفين صالح والحوثي بعد ذلك؛

_ مشروع الرئيس هادي والتجمع اليمني للإصلاح واحزاب المشترك، وهو مشروع تفكيك الجمهورية وتفتيت الجماعة الوطنية اليمنية باسم "فدرالية" براقة ليس لها قوائم على الأرض كما تُظهر مجريات الأحداث منذ الجلسة الختامية لمؤتمر الحوار الوطني في يناير 2014. هذا المشروع الاحتيالي الخرافي المترع بالرومنسية والمغمس بالتبشير هو مشروع مطرز بالإرجاء بما أن "فدرالية" هادي والمشترك هي فدرالية آخروية تستلزم مراحل انتقالية، واحدة تلو أخرى.
المشروعان سقطا: مشروع الانقضاض على الدولة ومشروع الانسلال منها إلى "جنات" تجري من تحتها "دماء" اليمنيين.
ماذا بعد؟
الهدف الأسمى، راهنا، هو استعادة التوافق واستنقاذ الدولة واستنهاض المجتمع حول مشروع وطني جامع. والمشروع الوطني الجامع هو بالضرورة نقيض المشروعين التسلطي الاستحواذي والتفكيكي التفتيتي. وهو بالتأكيد السبيل إلى تجنيب اليمنيين جميعا بطش الميليشيات بمختلف اصنافها.

المشروعان التسلطي والتفكيكي هما بالطبيعة انعزاليان. فالتسلط باسم "وطنية يمنية" مدعاة تقوم على تعريفات حصرية من شاكلة تلك التي يضخها خطابا الرئيس السابق صالح وعبدالملك الحوثي، هو انعزالي بالتأكيد ف"اليمن" ليس صنعاء أو مجموعة قبائل في بقعة من بقاع اليمن، ووطنية من شاكلة "وطنية" الحوثي وصالح هي في واقع الأمر عصبوية جهوية كانت على مر التاريخ اليمني الحديث "عامل التحريف" الأول الذي يحول دون اندماج وطني قوي ومتعاف في اليمن. كما أن توهم الإفلات من الجغرافيا والتاريخ باسم "حوار وطني" هو في واقع الأمر "مهرجان" شعبوي لإنتاج حلول انعزالية جاهزة (حلول قبلوية يصير مؤتمر الحوار مجرد منصة لإطلاقها) توافَقَ عليها جزئيا أطراف السلطة الانتقالية لا اطراف الحوار الوطني المزعوم. وهي حلول انبنت على تفخيخ الهوية الوطنية اليمنية عبر تفكيك الدولة وتعزيز هويات ما قبل وطنية او جهوية، بوهم أن ذلك يسرع من عملية التحول نحو فدرالية مُبشر بها.
من صعدة إلى عدن تتجلى اليوم مظاهر هذين المشرعين المدمرين: فالسلاح غير الخاضع ل"الشرعية" هو صاحب القول الفصل، هو السيد والآمر والمتحكم على الأرض. ولأن للسلاح المنفلت من "الشرعية"، الشرعية بما هي سيادة قانون، أبطاله فقد تقدم الحوثيون، أولا، من صعدة باتجاه العاصمة حيث نخبة "السبات الهني" برئاسة هادي، ثم نزولا إلى تهامة وتعز والبيضاء ومأرب ولحج وعدن. وفي المقابل تقدم "أنصار الشريعة" [القاعدة] في المكلا، وظهر تنظيم الدولة الاسلامية [داعش] في عدن. وتفشت الميليشياوية في مختلف المحافظات اليمنية.
هذان مشروعان يفتكان باليمن: الإنسان والهوية والكيان. هما مشروع الحوثي_ صالح، ومشروع هادي _المشترك.
الحرب هي حصاد المشروعين، وهي مقتلهما.
لكن الخطر الراهن هو في المشروع الثالث؛ مشروع "اللادولة" أو دويلات وإمارات الجماعات المسلحة.

هذا، إذاً، وقت اعادة الاعتبار إلى "المشروع الوطني"، مشروع دولة المواطنة وسيادة القانون الذي خرج ثوار 2011 في طلبه قبل أن ينقلب عليهم اطراف السلطة الانتقالية والممثلون الافتراضيون للثورة والحراك الذين تم جلبهم إلى فندق 5 نجوم شرق العاصمة صنعاء.

عن التنكيل بمبدع أنتصر بشحنة مياه للحياة في اليمن

الزميل العزيز محمود يس قام بمبادرة نبيلة من أجل كسر حصار وحشي على مدينة تسكن قلوب اليمنيين من صعدة إلى المهرة.
ابقاؤه في معتقل الأمن السياسي في إب من قبل جماعة الحوثيين هو وصمة عار في جباه قادتها. وأي تنكيل يتعرض له في فترة اعتقاله (بالأحرى فترة اختطافه من جماعة لا تقيم وزنا للقانون وأجهزة العدالة) سيسجل كسابقة في اليمن منذ اعلان الجمهورية اليمنية في 1990، بنظامها التعددي وهامش حرية الصحافة المتأرجح مذّاك.
محمود ياسين صحفي وروائي معروف، لم يحمل سلاحا يوما ولم يغرس شحنة متفجرات في منزل أحد، وإنما أراد أن يعبر عن انسانيته بطريقته الخاصة عبر انزال "شحنة مياه" إلى مدينة يمنية عطشى.
***
الحوثيون يفحشون في عدائهم للصحفيين كأن الصحفيين هم من أذاقوهم الويلات في الحروب الست على صعدة (وفي صعدة).
محمود يس صحفي ومبدع يمني استثنائي، ومن الخزي أن يتم اعتقاله واساءة معاملته من قبل جماعة مسلحة اجتاحت محافظات يمنية وتجرف كل ما له صلة بالدولة والمواطنة وسيادة القانون.