السبت، 7 مارس 2015

عن بديهيات الحوار و"الفدرالية المستحيلة" و"الدكاترة فرانكشتاين" الذين اعتزلوا السياسة بينما اليمن يغرق في العنف والفوضى!

       سقوط الدولة والمؤسسات في العاصمة صنعاء، ثم سقوط عواصم محافظات يمنية في قبضة اللجان الشعبية والأنصار من كل الأصناف، بدأ رسميا في يناير 2014 عندما فوض "شعب موفنبيك"* الرئيس الانتقالي عبدربه منصور هادي بتشكيل لجنة لتقسيم اليمن إلى اقليمين أو 6 أقاليم أو أي عدد بين ال2 وال6.
    
      كانوا يفوضون رئيسا انتقاليا بمهمة من اخطر المهام في تاريخ اليمن: تفكيك دولة بسيطة وتحويلها الى دولة مركبة (أي بتنفيذ مهمة خارج المنطق والسياسة والطبيعة). صار الرئيس الانتقالي هو رجل المستحيل. وهو سارع الى تشكيل لجنة وزارها في اليوم التالي وابلغ اعضاءها بسرعة الانتهاء من تقسيم اليمن إلى 6 اقاليم. (كان قد اتفق مع الاصلاح والناصري وقيادات في المؤتمر الشعبي على تقسيم سداسي يمنع انفصال الجنوب ويعزل "المركز المقدس" في معزل عنصري اختاروا له اسم شديد العذوبة هو "آزال"، وآزال هو الاسم القديم لمدينة صنعاء التاريخية).

       كان الرئيس هادي "رجل المستحيل" وقادة الاحزاب القومية واليسارية والاسلامية هم الصحابة الاولين، وشعب موفنبيك هم "التابعون"! وشباب ثورة فبراير وجماعات المجتمعين المدني والحقوقي هم المؤلفة فلوبهم الذين تم استرضاؤهم في موفنبيك، وإغراقهم بمعسول الكلمات والامتيازات المؤقتة في دولة فندق ال5 نجوم ودولة ما بعد الفندق.
       كان "رجل المستحيل" مدعوما من المبعوث الدولي وسفراء غربيين، قد تمكن من إقناع محمد علي أحمد بتشكيل مكون حراكي جديد باسم "مؤتمر شعب الجنوب"، يتيح لنخبة صنعاء وسفراء الدول الراعية القول إن الحراك الجنوبي صار ممثلا في مؤتمر موفنبيك. [في وقت لاحق من عام الحوار الوطني انسحب رئيس مؤتمر شعب الجنوب (أحمد فريد بن صريمة) من هيئة رئاسة المؤتمر، ثم في الصيف القائظ قرر محمد علي أحمد الانسحاب من موفنبيك لكن الرئيس هادي وبنعمر وقادة المشترك كانوا قد تمكنوا من شق هذا المكون ذي التمثيل المحدود في الجنوب، وهكذا استمرت البقية الباقية من "الحراك" الموفنبيكي في جبسات الحوار).
بينما كانت "المهزلة اليمنية" تواصل عروضها في صالات الفندق، كان الحوثيون يشقون طريقهم إلى العاصمة مستفيدين من كل التناقضات بين أطراف المبادرة الخليجية. فهم استفادوا من الصراع بين صالح وهادي (الرئيسين السابق والحالي)، ثم بين المبشرين بفدرالية الاقليمين والمبشرين بفدرالية ال6، ثم بين الرئيس هادي ومستشاره (غير الشقيق!) علي محسن الأحمر. وهم الآن أسياد العاصمة يتلاعبون بالمبشرين جميعا ويعلمونهم درسا في السياسة والقوة!

       منذ عامين والرئيس هادي يتصرف كرئيس خارج الواقع. كرئيس لشعب موفنبيك، ولدولة "اليمن الاتحادي". كان مؤدى هذا السلوك أن تسقط "الجمهورية اليمنية" في مستنقع الحروب الاهلية والطائفية، وأن تنشأ دويلات الأنصار (أنصار الله وأنصار الشريعية وأنصار الثورة وأنصار الشرعية). لكن الدولة المبشر بها (دولة اليمن الفدرالي) ظلت مثل رئيسها، دولة مستحيلة.
الفدرالية (اللامركزية السياسية لا المركزية الإدارية، التقسيم السياسي لا الإداري التنموي) مستحيلة في اليمن. لا يمكن لها ان تتحقق في واقع اليمنيين شديد التعقيد والتداخل و"الانفجار". لا يمكن تصور كيانات مستقرة ومتعاونة تتخلق من هذا "اليمن" المعذب والطافح بالجماعات العصبوية، الطائفية، التي تشتغل على تدمير النسيج الاجتماعي واشاعة الكراهية لتصعد على انقاض اليمن.
***
        الفدراليات تنشأ من اتحاد دول، غالبا. في حالات نادرة تنشأ من احشاء دولة بسيطة تضم قوميات واديان واثنيات متعددة.
تنشأ من وحدويين يريدون وطنا اكبر ودولة مهابة وهوية وطنية جامعة، كما الامريكيين والالمان (والإمارات العربية المتحدة في العالم العربي). لكن في اليمن تغيب الايجابية كليا وتبهت الهوية الوطنية ويتم التبشير بأقاليم موهومة (كما في وسائل الإعلام اليمنية الموالية لهادي والمشترك) ضدا على الهوية الجامعة والآمال المشتركة لليمنيين. ثم انها تستجيب استجابة مرضية لمخاطر التفكك. فبدلا من الذهاب فورا إلى الجنوب لمعالجة المظالم ورد الاعتبار للوحدة اليمنية التي اهينت في حرب 94، قرر "الدكاترة فرانكشتاين" تخليق كيان حي من جسد "المريض اليماني" الذي لما يمت بعد. وها هو "المسخ" اليمني يفتك باليمنيين في كل مكان. (في الرواية الأصلية يتصدى الدكتور فرانكشتاين للمسخ لإنقاذ البلده من شروره، لكن في اليمن يقرر الدكاترة فرانكشتاين _ بداعي المرض او بزعم التقدم في العمر_ الاعتزال، اعتزال صناعة الخزعبلات، تاركين شعبهم يغرق في القوضى)
أعرف ان الذين بشروا بالفدرالية كانوا في اغلبهم يجهلونها، لا يدركون ماهيتها، ولا يمحصون في امكان تحققها، ولا يتحسبون لمضاعفات إعلانها كحل للأزمة الوطنية وبالتالي لمخاطر تطبيقها بالارتجال الغشوم والجهول، على السلم الأهلي. [في مارس 2013 أدرت في فندق البستان جنوب العاصمة حلقة نقاش ضمن فعاليات "برنامج دعم الحوار الوطني في اليمن"، وشارك في الحلقة ممثلو الأحزاب والجماعات السياسية اليمنية. وقد هالني انه لا يوجد حزب واحد لديه رؤية مفصلة عن اليمن الفدرالي الذي يطالبون به. الخفة والجهل كانتا تهيمنان في صالة مكتظة بالمنظرين الحزبيين الذين يبشرون شعبهم بحلول سحرية لا يعرفون تركيبتها ولا سياقها ولا يبالون لتأثيراتها.
       أعرف الآن ان "الفدرالييين" _ بدءا من الرئيس هادي ومستشاريه بمن فيهم "الدكاترة فرانكشتاين" الثلاثة المعتزلون_ لا يقرؤون ما جرى في العام الماضي (عام ما بعد الحوار الذي سيبني اليمن الجديد) بموضوعية ويراجعون خياراتهم المستحيلة بصرامة ونزاهة، ويمحصون في البدائل التي كانت معروضة على الدوام لكنهم تجاهلوها بل وطوحوا بها بعيدا في غمرة انغماسهم في "صناعة الأجماع" التي أخذت اليمن إلى هذه الفوضى المستدامة!
أي منهم لم يعتذر لليمنيين.
لم يصارح الطيبين بانه اخطا إذ لم يحسن تقدير عواقب الأمور.
اعتزل البعض.
وواصل الآخرون الحفر في عدن.
***
     لكن الفدراليين هم متدينون بإخلاص.
    هم الوريث البيولوجي لشموليي الماضي
     هم النسخة الجديدة من "الوحدويين الفوريين" والمبشرين اليساريين والاسلاميين في القرن ال20.
     يكفي في نظرهم أن يرددوا شعار "الفدرالية هي الحل" لتتنزل 6 فراديس (أو فردوسين) على الأرض.
     الفدرالي اليمني هو القومي العربي واليساري والاسلامي في قالب واحد. بروحية مناضل أو مجاهد أو رفيق صارم لا يساوم في المبادئ، يعتنق الشعار الجديد ثم يخرج في الناس مبشرا بالفراديس التي ستتنزل من مجرد اقرار نص في الدستور يقول ان اليمن تتركب (أو تتفكك) إلى ستة أقاليم (أو اقليمين).
        في اليمن فقط تتحول الفدرالية إلى "ايديولوجيا" والدولة إلى لعبة يمكن تفكيكها قطعا ثم يتبارى التبشيريون في الطريقة المثلى لإعادة تشكيلها مجددا.
      بيد أن الفدراليين ليسوا اليمنيين. هناك جماعات فدرالية_ ضد فدرالية في الواقع، تقيم اماراتها من دون انتظار موافقة مجلس الأمن واستفتاء شعبي أو شرعية توافقية. هناك الآن دويلات داخل الدولة وخارجها من حضرموت إلى صعدة. وهناك إمارات قيد الإنشاء تنتظر ساعة الانفجار الكبير لتعلن عن نفسها فيما يمكن اعتباره ولادة جديدة ل"يمنات" ترث اليمن المحتضر الذي نعرفه منذ عقود.
****
         نظرة سريعة على قائمة المبشرين بالفدرالية في اليمن تمكنك من معرفة "الوظيفة النفسية" لها في اليمن. فهي تحرر الأيديولوجي من "التبخيس الذاتي" الذي يكابده جراء هزيمته الكبرى في واقع يمني شديد التعقيد. وتعيده مجددا إلى هذا الواقع مسلحا بما يظنها ايديولوجيا "الفدراليه"، تستحثه ثأراته من كل اعدائه وأصدقائه.

        "الفدرالية هي الحل" هو الشعار التعويضي لشعارات الحالمين جميعا: "حتمية الحل الاشتراكي" و"حتمية الوحدة العربية" و"الإسلام هو الحل".
        توفر الفدرالية خلاصا مركبا لايديولوجيي الماضي: فهي تزودهم بالتعويض النفسي الضروري لمواجهة خساراتهم الايديولوجية الفادحة. وهي أيضا تقتص لهم من كل الذين أذلوهم في الماضي. إنها السلاح (السحري والموهوم) الذي يتحرر به نفسيا واجتماعيا.

       الفدراليون مثلهم مثل "انصار الشريعة" و "أنصار الله".
      لا يقبلون أي تشكيك بمعتقداتهم الدينية.
       يرفضون الدخول في أي نقاش في التفاصيل. فالفدرالية تؤخذ كلها.
        يرفضون أية تدرجية بدءا من حكم محلي واسع الصلاحيات (كتجريب واختبار وتدريب)، فالتغيير الشامل والثورجي والفوري هو الناجع بدلا من التدرجية التي تتيح لأعداء الفدرالية ( = الثورة المضادة او أعداء الثورة) الوقت والامكانات للانقلاب على هذا "المنجز التاريخي".
        الفدراليون استعلائيون _ عن جهل وكِبْر مرضي _ كما ايديولوجيي وثورجيي العقود الماضية. إما أن يقبل اليمنيون بدينهم، جملة، وإما أنهم رجعيون ومتأخرون حضاريا، ويوالون "المركز المقدس" أو ينتمون إلى محافظاته. والمركز المقدس، هنا، مفهوم صلصالي يتشكل وفق هوى المتحدث أو المتشدق بنظرية الانفكاك عنه. قد يكون الرئيس السباق صالح وجماعة مقربيه وأقربائه الذين كانوا يشاركون سلطة القرار خلال حقبة حكمه. أو يتجاوز دوائر القرار في العاصمة ليشمل قبيلة حاشد ومراكز النفوذ القبلية والعسكرية في المناطق القريبة من العاصمة. وقد ينفتح على مناطق جغرافية بأكملها في ما يشبه أخذ المظلومين بجريرة الظالمين.
***
        الفدرالية، مرة عاشرة أقول، هي الدين الجديد للنخبة السياسية اليمنية الفاسدة. لنخب الخمسينات والستينات والسبعينات التي شاخت وهرمت لكنها لا تريد ان تغادر منصة العرض.
         وهي، بالتالي، الحشيش الذي تروجه هذه النخبة ل"جماهير" الشعب اليمني العظيم لتصطبر على البلاء المقيم في اليمن في انتظار الجنة التي وعد بها "أهل موفنبيك" اليمنيين المؤمنين!
***
       بوسع أي كان الادعاء بأن مشكلة اليمنيين بدأت في 19 يناير 2015 عندما أكمل الحوثيون سيطرتهم على العاصمة صنعاء، وصفوا "المربعات الأمنية" للرئيس هادي. بالوسع العودة إلى 21 سبتمبر الذي أفرز اتفاق سلم وشراكه وقع عليه الأطراف جميعا. يمكن العودة إلى بناير 2014 عندما فرض الرئيس هادي وحلفاؤه في المشترك صيغة قرار يفوضه تقسيم اليمن سياسيا إلى عدد من الأقاليم (كان هادي ومستشاروه باستثناء الدكتور ياسين سعيد نعمان المتشبث بتقسيم اليمن إلى اقليمين، قد قرروا سلفا التقسيم إلى 6 اقاليم). يمكن العودة إلى الوثيقة المقترحة من جمال بنعمر في خريف 2013 والتي تقوض "الكيان الوطني" لليمنيين وتؤسس لفتنة طائفية في اليمن من خلال التمييز تشريعيا في حقوق المواطنة. يمكن العودة إلى مطلع 2013 عندما قرر الرئيس ومستشاروه وجمال بنعمر وسفراء الدول الراعية (والحوثيون معهم) المخاطرة بالسلم الأهلي عبر أخذ "اليمن" إلى طاولة حوار حول الدولة والنظام السياسي والنظام الانتخابي والعدالة الانتقالية ومشكلة صعدة والقضية الجنوبية والجيش والأمن والسلاح الميليشوي و"زواج الصغيرات" وشحة المياه وكل ما يخطر على بال خبراء الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والمنظمات التابعة لهما. اتخذوا قرارهم بعقد المؤتمر قبل أية تهيئة للحوار تتصل بالأوضاع في صعدة والجنوب. يومها تشاركوا جميعا في "صناعة إجماع" ضدا على عضوي اللجنة التحضيرية للحوار رضية المتوكل وماجد المذحجي اللذين استقالا احتجاجا على هذا القرار الأخرق. كانت صناعة الإجماع تستهدف حرمان المظلومين من حقوقهم وتحويل القضية الجنوبية وقضية صعدة إلى ورقتين تفاوضيتين على الطاولة (أو تحت الطاولة) وابتزاز اليمنيين العاديين من أجل القبول بصيغة مقررة سلفا ( في الخطوط الرئيسية على الأقل) للتمديد لسلطة الرئيس هادي وحكومة الوفاق، ولتقسيم اليمن سياسيا بذريعة أن التقسيم هو الحل الوحيد الذي يقبل به الجنوبيون. وقد جرى تمرير الفدرالية في سياق تآمري كهذا.

         يمكن العودة إلى نقطة أقدم في الزمان لفهم ما جرى. إلى التقاسم الاجرامي للوظيفة العامة ولمؤسستي الجيش والأمن من قبل الأطراف السياسية الموقعة على المبادرة الخليجية. إلى انشقاق علي محسن الأحمر في 21 مارس 2011 وتحالفه مع المشترك من أجل تحويل الثورة الشعبية إلى أزمة سياسية بين المؤتمر الشعبي واللقاء المشترك. إلى انفراد الرئيس صالح في ديسمبر 2010 بتقديم مشروع تعديلات دستورية غير متفاهم عليه مع المشترك. إلى فشل الانتخابات الرئاسية في تحقيق تغيير سلمي للسلطة. إلى حرب 1994 التي شكلت ضربة قاصمة للديمقراطية وصدعا عظيما في الوحدة... (يمكن لأي كان السفر في الماضي إلى ما هو أبعد؛ عقود، قرون، ألفية، الفيتين، إلى هيمنة مملكة حمير على اليمن القديم وتقويضها مملكة حضرموت، او إلى تحالف سبأ وحضرموت لإنهاء مملكة أوسان!)
       بوسع أي كان الإفلات عبر رجعة في الزمن حسبما يعن له. لكن الشاهد أن المسار الكارثي بدا عندما تنازل الاشتراكي والناصري والحوثيون والحراكيون الممثلون في اللجنة التحضيرية للحوار الوطني، عن التهيئة للحوار طيق "نقاط الحد الأدنى" التي اشتهرت اعلاميا ب"النقاط ال20".
       اسقطوا البديهيات من اجل الدين الجديد الذي اعتنقوه.
      لقد قدموا الضحايا قربانا على مذبح الفدرالية.
     ارادوا تفكيك اليمن بأي ثمن حتى لو كان اطنان من دماء الأبرياء.
     إذ كيف يمكن تفكيك دولة دون "كراهية" و"احتقانات" و"جروح مفتوحة" و"ملفات ساخنة" وحرائق يتم تغذيتها بالوقود دوريا؟
      كيف؟
***
        اسقطوا البديهيات فسقطت الدولة، وتغولت الجماعات المسلحة.
        والآن يتحاورون مجددا، ويراوحون حول مخرجات حوار محكوم عليه بالفشل منذ ما قبل انطلاقه.
        يفعلون كل هذا ويزدادون تمسكا بالفدرالية بما هي "مكسب تاريخي"!
        هؤلاء هم أصل البلاء وسبب الكارثة.
_______________
________________
*في التعليق الاول رابط لمقال عن لحظة التفويض لهادي في 14 يناير 2014.
   http://almasdaronline.com/article/53679

https://www.facebook.com/sami.ghaleb/posts/10153284261555312?fref=nf
·

الأحد، 1 مارس 2015

الحوثي الحبيس ك"زيدي" مزدوج في مواجهة اغلبية سكانية لا ترى الفارق!

 
        _ لو أن في اليمن بيئة سياسية مستقرة وديمقراطية لكان أمام الحوثيين خياران؛ إما التفكير بتطوير صيغتهم التي نجمت عن الحرب الأولى، ثم ال5 حروب التالية،بالتكيف مع العملية السياسية في اليمن والتحول إلى حزب سياسي طبقا للدستور وقانون الاحزاب، وإما الانكفاء سياسيا والتموضع دينيا باعتبارهم جماعة منصرفة إلى ممارسة نشاطات توعوية وتعليمية وبحثية في إطار "الزيدية".
       _ لكن الرئيس هادي وأطراف المبادرة الخليجية أخذوا اليمن ك"كيان" والسلطة السياسية غير المستقرة والنظام الانتخابي ومشكلة صعدة والقضية الجنوبية، إلى طاولة الحوار في موفنبيك قبل عامين. وقد تسبب هذا التكديس للقضايا في مكان واحد وفي "زمن" انتقالي، في هذه الفوضى العارمة التي يعيشها اليمنيون اليوم.
       _ لأسباب متصلة بالجوهر الديني لجماعة الحوثيين والمحددين الجغرافي والعنفي للجماعة، فإن عبدالملك الحوثي يجد نفسه مضطرا إلى "التحالف مع الشيطان" في ظرف تفكيكي للدولة وتفتيتي للمجتمع وتقاسمي للسلطة.
        _ صار الحوثيون الذين كانوا يتحرجون من تقديم أنقسهم كجماعة طائفية أكثر جرأة في السنوات الأخيرة. وفي الموازاة للثورة الشعبية السلمية في فبراير 2011، حقق الحوثيون "انتقالة سلسة" من "جماعة الشعار" التي صارت اعلاميا منسوبة إلى مؤسسها الشهيد الراحل حسين بدر الدين الحوثي، إلى جماعة "أنصار الله" التي يقودها شقيقه عبدالملك الحوثي.
       _ في اليمن يوجد 3 مذاهب دينية، أو فرقتان ومذهب؛ الاسماعيلية والزيدية والشافعية. وفي تقديرات الاوزان من حيث السكان والجغرافيا (فالتعداد السكاني لا يحتوي على بند يتعلق بالمعتقد او المذهب الديني) فإن أغلبية كبيرة من السكان هم من اتباع المذهب الشافعي ثم يحل ثانيا (ولكن بمسافة) اتباع المذهب الزيدي (نحو ربع السكان)، واخيرا الاسماعيليون الذين يتمركزون في مناطق في غربي الهضبة وبعض الجيوب الحضرية في اليمن، ويُقدر عددهم باقل من 5% من السكان.
       _ هناك حضور لمذاهب وفرق دينية أخرى لكن التطرف الديني _ وأحيانا الإرهاب_ وتصدر الهوية الطائفية للسنة والزيدية كمستوى تعريف اول بفعل الجماعات المسلحة في اليمن، كل أولئك أدى إلى انكماش اتباع هذه المذاهب والفرق، طلبا للسلامة وتفاديا للمشاكل.
_ هناك ما يمكن وصفه ب"التقاطع" المثير للدهشة، وللقلق أيضا، بين المذهب والجغرافيا، وبالتالي القبيلة. صحيح أن هناك تشابكا يبلغ احيانا حد التعقيد، بين اليمنيين في المدن الكبرى_ وخصوصا صنعاء_ لكن الزيدية ارتبطت خارج معاقلها في اليمن، باليمن الأعلى، او "مطلع" او "الشمال الزيدي". تاريخيا كان الزيدي _ في عيون اليمني العادي في اليمن الأسفل والجنوب عموما_ هو العكفي (العسكري النظامي او البرّاني) الذي يمثل الذراع الباطشة للإمام. وهكذا فإن بعض التظاهرات التي تخرج في "منزل" أو الجنوب عموما، تنادي، أحيانا، بطرد "الزيود"، بما هم جهة متغلبة على جهات اليمن الأخرى وليس في كونهم يمنيين يعتنقون المذهب الزيدي.
         _ نظرا للتشوهات في النسيج الوطني، والاخفاقات في مسيرة ثورة 26 سبتمبر 1962 في اليمن الشمالي الذي صار "الجمهورية العربية اليمنية"، فإن التطابق بين الزيدية الدينية والزيدية الجغرافية أخذ يفقد "واحديته" أو انسجامه. وانطلاقا من نهاية الستينات ثم خصوصا من نهاية السبعينات، كرست السياسة والانقلابات ثم الدور السعودي المتنامي بمحمولاته الدينية، حالة التمايز_ أو ما يبدو أحيانا أنه افتراق_ بين "الزيديتين" في اليمن؛ صار في اليمن من في وسعه القول بأن هناك زيدية جغرافية وأخرى عقائدية او دينية. هذا التمايز أو الافتراق يتسبب بصداع مزمن للباحثين الأجانب، إذ كيف يكون الرئيس السابق علي عبدالله صالح والشيخ عبدالله بن حسين الأحمر زيديين في نظر سكان اليمن الأسفل وقبائل المشرق، ثم الجنوب عموما، بينما هما عدوان للزيدية في نظر الحوثيين!
_ الافتراق بين الزيديتين لم يأخذ الطابع العنفي إلا في عام 2004 عندما أدت ملابسات في العلاقة بين الرئيس السابق علي عبدالله صالح وقائد جماعة الشعار إلى أزمة تفاقمت في وقت قياسي لتأخذ منحى قتاليا عندما قرر الرئيس صالح التخلص من حليف (افتراضي أو "مستقبلي" للمواجهة المتوقعة مع الأخوان المسلمين) بالقوة المسلحة. وقد تضافرت عوامل سياسية ودينية واقليمية وشخصية ( إذ تتردد أقاويل عن اهانات متبادلة بين الرجلين) ضدا على حسين بدر الدين الحوثي الذي كان في سلوكه كسياسي ورجل دين أقرب ما يكون إلى نمط القيادات المثالية. وقد دفع الرجل حياته ثمنا لما يعتنقه من مبادئ وأفكار.
         _ في 2011 اندلعت ثورة اليمنيين، زيودا وشوافع واسماعليين، ضد الرئيس صالح ونظام حكمه. كانت ثورة اليمنيين الأفراد، ثورة المواطنيين ضد التمييزيين من أصحاب الامتيازات وجماعات المصالح والنفوذ. لكن تطورات في مسار الثورة أدت إلى انشقاقات وتصدعات في جسم السلطة أربكت اليمنيين الذين خرجوا طلبا للمستقبل وشرذمتهم ذلك لأن القسم المنشق عن صالح تحول إلى سلطة موازية تتحكم بالساحات. هكذا فإن الثورة التي بدت في مطلعها وكانها ثورة ضد الاستبداد المستقوي ب "الزيدية الجغرافية" على اليمنيين جميعا، من صعدة إلى عدن، انتهت إلى ما يمكن وصفه بأزمة طاحنة بين محتكري تمثيل "الزيدية الجغرافية"، خرج منها منتصرا الطرف الألصق بالتجمع اليمني للإصلاح (الآخر الايديولوجي للحوثيين).
        _ بكلمة أخرى فإن الثورة التي قامت ضد "الزيدية الجغرافية" ممثلة بصالح وعلي محسن وكبار المراكز القبلية في الشمال، استقطبت في أيامها الأولى "الزيدية العقائدية" وكل اليمنيين المتطلعين إلى دولة مواطنة في الشمال الزيدي. لكنها في نهاية الأمر، وبسبب مسار سياسي انتقالي كارثي، أوحت بأن الشطر الأكثر "سنية" في السلطة المتكئة على الجغرافيا الزيدية خرج منتصرا بشكل حاسم، ما أدى إلى استنفار "الزيدية العقائدية" حركيا فور تشكيل الهيئات الانتقالية في نهاية العام نفسه (خريف 2011). (يمكن قراءة الوثيقة الفكرية للزيدية التي تم التوقيع عليها في مطلع 2012 في هذا السياق)
         _ لم تقرأ الأحزاب السياسية جيدا ما حصل في 2011. وهي تقاصرت عن إدراك عمق التحولات في اليمن، والانقلاب في الأوزان والأدوار جراء ثورة المواطنين التي بلغت أوجها في مارس 2011. في نظر قيادات الأحزاب والرئيس هادي ظل الكبير كبيرا والصغير صغيرا. فتقاعسوا وتلكأوا وراوحوا ثم انطلاقا من تقدير خاطئ وانتهازي بان أمام اليمنيين فرصة تاريخية للإفلات مما يسمونه "المركز المقدس"، أخذوا اليمن، بأسلوب اعتباطي وبدائي، إلى منحدر "الفدرالية".
        _ في الأعوام ال3 الماضية استثمر الحوثيون (بما انهم الزيدية العقائدية أو الدينية) الإحباط الشديد لدى اليمنيين جراء اختزال ثورتهم في مجرد ازاحة رئيس، وأخذ سلطتهم إلى التقاسم، وأخذ بلدهم إلى التقسيم. وقد استطاع الحوثيون إعادة تحشيد "الزيدية الجغرافية"باسم العقيدة ونصرة الله ومنع التمزيق. كان ذلك متوقعا في سياق العملية الانتقالية وما رافقها من خطاب ديماغوجي شعبوي يصوِر الصراع على أنه بين "جهات" لا بين ظالمين ومظلومين في عموم اليمن. ومن تجليات هذا الخطاب العصبوي أن سكان الرقعة الجغرافية الزيدية _ وهذا التوصيف نسبي_ صاروا جزءا من المشكلة في النقاش العام الذي اتسم بالقطعيات والاختزال وتملق مشاعر البسطاء، توطئة لتقسيم سياسي للكيان الوطني لا يقوم على أي سند من الواقع.
         _ كان الحوثيون المتضررون من تنامي حضور "الأخر الجوّاني" في السلطة والمجتمع (الإصلاح وحلفائه)، يتحركون بحرية في الشمال مستفيدين من القيود المفروضة على "الآخر الجوّاني" لخصمهم الذي في الحكم (والآخر الجواني للإصلاح ليس سوى الرئيس السابق صالح وحزب المؤتمر الشعبي). هكذا تعمق تحالف بين "انصار الله" والرئيس السابق صالح ضدا على "انصار الثورة" ممثلين بالتجمع اليمني للإصلاح واللواء علي محسن الأحمر والشيخ حميد الأحمر وأخوته. بعبارة أخرى، تحالفت "الزيدية الدينية" مع شطر من "الزيدية الجغرافية" ضدا على الشطر الذي استمر في الحكم من "الزيدية الجغرافية".
        _ في سبتمبر 2014 تقدم الحوثيون إلى العاصمة ثم انطلقوا إلى محافظات أخرى في الوسط والغرب والشرق. كانوا في حقيقة الأمر يعيدون الأمور إلى نصابها، أي توحيد "الزيديتين"، الجغرافية والدينية، في أعين اليمنيين الآخرين.
          _ لكن الحوثية ليست مجرد مذهب. هي جماعة لها تصوراتها الثورية الرومانسية. ومن هنا يمكن تفسير النقمة التي تتلبس أي "حوثي" جراء صورته السلبية في عيون "الآخر الجوّاني"، الآخر الجواني الذي صار كل من هو ليس حوثيا. يرى الحوثي نفسه منقذا حرر اليمنيين من مراكز القوى والنفوذ واطاح بمنظومة حكم فاسدة ويحمل في جوانحه أفكارا ثورية نبيلة ستغير وجه اليمن، بينما يراه اليمني الآخر صورة أكثر جهامة وقسوة وأشد ظلامية ل"الزيدي" الذي كان يتسلط عليه طيلة العقود ال3 الماضية. [لقد كتبت مرارا ناصحا قيادة الجماعة بأن ترى صورتها في عيون اليمنيين من غير اتباعها لكن عبدالملك الحوثي يعتمد طريقة تواصل من اتجاه واحد دون اكتراث لعواقب ما يفعله باليمنيين.]
       _ اليمن ذاهبة إلى حروب عصبوية. حروب مغلفة بالثورة والوحدة والشراكة لكنها في حقيقتها حروب طائفية. إن أكثر ما تستحضره ذاكرة اليمني المعاصر خلال الأشهر القليلة الماضية، هو حروب الماضي البعيد والقريب. حروب اجتياح قبائل الشمال للجنوب عموما. يستحضرون "الفتوحات الإمامية" والغزوات المتعاقبة التي هبطت من ذرى الهضبة إلى السهول والسواحل عبر الألف السنة الماضية وحتى حرب صيف 1994، متلبسة بالدين متوسلة السيطرة والاستحواذ على السلطة والثروة. [يُشار في المقابل، إلى أن حروب صعدة ال6 في عهد الرئيس السابق صارت _في ظل التحالف المعلن بين الحوثي وصالح_ محض ذكرى لدى جماعة الحوثيين في حين يفصح بعض منتسبي الجماعة عن موقف راديكالي يدين ثورة 26 سبتمبر 1962 ويستدعي حرب الملكيين والجمهوريين]
        _ يؤدي الجموح العسكري للحوثيين وبخاصة الوسائل الاحتثاثية للخصوم الأيديولوجيين، إلى تأجيج المشاعر الدينية الطائفية في اليمن. لا يتحسب الحوثيون في غمار "حروبهم الاستردادية" للعواقب. وهم فعليا يهيئون ل"القاعدة" البيئة المثلى للنشاط في اليمن. الإنجاز الأعظم للحوثي وحلفائه في المدى القصير _ يجب ان نقول هذا بوضوح_ سيتمثل في إسهامه في تحويل "انصار الشريعة" في اليمن (فرع تنظيم القاعدة) من جماعة منبوذة إلى "داعش"، إلى تنظيم دولة اسلامية يمني.
       _ يضاف على الاجتثاث للآخر العقائدي، السلفيين أساسا، إعمال العنف والقوة في مواجهة التجمع اليمني للإصلاح (الفرع الاخواني في اليمن) ثم التهديد الصريح بحظره. هذا الإعمال الأخرق للعنف والقوة، يدفع القاعدة الشعبية العريضة لهذا الحزب نحو التموضع طائفيا ك"اهل السنة" وحربيا ك"مجااهدين" او أنصار شريعة!
       _ ينسى الحوثيون وحلفاؤهم (الزيديتان الجغرافية والعقائدية) أن هناك تيارا كبيرا من "السلفية" في اليمن منتشر في كل مناطق اليمن الكبير. وهؤلاء يلتزمون، في اغلبيتهم الساحقة، النهج السلمي في نشاطهم. لكن سلوك الحوثيين العنفي (الاستكباري، بلغة الحوثي نفسه) سيحفز الاتجاه العنفي عند هؤلاء فيلتحقون ب"السلفية الجهادية" ممثلة ب"أنصار الشريعة" او أي تطور "انصاري" في اليمن!
       _ أغلبية الزيود ليسوا "حوثيين" بل يمنيون محرومون، يريدون السلام وينشدون حياة كريمة ويرفضون العنف والتشدد الديني، ويتطلعون إلى دولة مواطنين تصون كرامة أي يمني، واغلبية الشوافع لن يصيروا "سلفيين". لكن احتكارات التمثيل وشيوع العنف قد يمكِن جماعة مسلحة في الجنوب وبلاد المشرق و"اليمن الأسفل" من تقديم نفسها للسكان ك"نظير" لجماعة "انصار الله".
      _ اليمنيون العاديون ليسوا طائفيين ولا مناطقيين. الأغلبية الساحقة منهم مستقلون، غير منتظمين في أحزاب أو جماعات. لكن هذا زمن احتكارات التمثيل. والحروب الاهلية تنجم غالبا عن مقامرات ومشاريع محتكري التمثيل. وفي اللحظة الراهنة هناك من يحتكر تمثيل الزيدية، ومن يسعى الى احتكار تمثيل "السنة"، ومن يتوهم انه يحتكر تمثيل الجنوب... وهكذا.
***
إنها الحرب!

الجمعة، 27 فبراير 2015

التلويح بحظر الإصلاح حماقة حوثية جديدة


      الميليشيا هي جماعة ضد حزبية. ولذلك يزخر خطاب الحوثي بعبارات الردح في الاحزاب، مذكرا بالزعيم الليبي الراحل معمر القذافي. [هذه واحدة من السمات المشتركة إلى جانب اللجان الثورية والمؤتمرات الشعبية _ دعوكم الآن من المؤتمر الشعبي العام ورزعيمه الذي كان الوحيد الذي حظي باعتذار مؤثر من الحوثي_ والمسيرة الخضراء و"الكتاب الأخضر"، وهو نوعا ما أقرب ما يكون إلى "ملازم خضراء".
         عبدالملك الحوثي يردح في الاحزاب في كل خطاب منذ 21 سبتمبر 2014. كذلك كان القذافي يفعل!
      وخلال اليومين الماضيين بلغ التحريض على الأحزاب، وبخاصة التجمع اليمني للإصلاح اوجه. بل إن هناك تلميحات بحل هذا الحزب.
لم لا؟
الحوثي لا يريد أحزابا في اليمن بل جماعات من شاكلة جماعته.
يريد جماعات ميليشيوية لتبرر له وجوده. ليتبادل معها اللعب في ربوع اليمن.
هناك في التاريخ الحديث نماذج مماثلة لما يفعله الحوثيون، بعضا نماذج يهتف ضدها بالموت.
***
التلويح بحظر اي حزب يمني من قبل سلطة غير شرعية وضدا على الدستور والقانون، هو ذروة الحماقة ومنتهى الجنون. وهو عدوان جديد على اليمنيين جميعا من قبل جماعة ميليشيوية استدعاها الجميع للحوار في موفنبيك.
اتكلم عن التلويح فقط.
فالثابت ان لا سلطة شرعية للحوثيين لحظر نشاط أي حزب.
والسلطة الشرعية، أساسا، لا تخطر في بالها شطحات قذافية من هذه الشاكلة.

حوار وطني بجدول أعمال مختلف يديره الرئيس هادي!

       الأمور تتعقد، أكثر فأكثر، في اليمن منذ نهاية 2012. اخذ الرئيس هادي واللقاء المشترك والمؤتمر والحوثيون، اليمن في منحدر خطير يؤدي إلى هاوية.
اليمن على الحافة الآن.
لدينا انقسام بين سلطة أمر واقع في العاصمة ومحافظات شمالية باستثناء تعز ومأرب واجزاء من الجوف ومحافظات شمالية اخرى، ولدينا سلطة شرعية في عدن ومحافظات جنوبية وشرقية.
في سيرورة الهرولة في المنحدر توصل المتحاورون إلى وثيقتين، إحداهما "وثيقة الحوار الوطني" والأخرى "وثيقة الضمانات". الوثيقتان هما محصلة "صناعة إجماع" لا "إجماع". ما يعني أنهما لا تصلحان أساسا لأي اصطفاف وطني من دون معالجة بعض المسائل الجوهرية فيهما. لكن أية معالجة لأي مخرج حواري تقتضي حوارا تكميليا.
أي مسار حواري جديد سيباعد بين اليمنيين إن لم تتم المسارعة إلى ملء فجوة الشرعية في المؤسسات سريعا. ونعلم أن انتخابات عامة، رئاسية او برلمانية، غير متصورة في ظل هيمنة الميليشيات المسلحة على المدن الرئيسية وأغلب أجزاء اليمن. وهذا بدوره يستدعي التفكير مجددا في صيغة توافقية لمرحلة انتقالية قصيرة بمهام مبرمجة زمنيا، أبرزها إعادة النظر في المخرجات المختلف بشأنها أو التي تتطلب مراجعة خصوصا في ظل مفاعيلها الخطيرة على الأرض حاليا.
لقد أحدث انتقال الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي إلى عدن انقلابا استراتيجيا في موازين القوة بعدما كان الرئيس السابق علي عبدالله صالح وعبدالملك الحوثي يظنان أن انقلابهما على الشرعية صار ناجزا، مستفيدين من الغطاء السياسي المحلي الذي توفره لهما أحزاب المشترك ومن الغطاء الدولي الذي يجتهد جمال بنعمر على ديمومته (إلى الحد الذي صار فيه مبعوثا لسلطة الأمر الواقع إلى بان كي مون!)
الحوثي (وحليفه الذي اعتذر له أمس، علي عبدالله صالح، وهذه بالمناسبة اول مرة يسمع اليمنيون فيها الحوثي يعتذر عن سوء سلوك. لقد اعتذر للرئيس السابق ونكل بالرئيس الحالي في إشارة إلى نوعية القيم التي تحكم سلوك هذه الجماعة) لديه القوة العارية من الشرعية أإو "شرعية القوة"، ولدى الرئيس هادي وأحزاب اللقاء المشترك (ناقصا حزب الحق الذي لا يمكن قراءة موقفه خارج العصبوية الطائفية والجهوية، من أسف) قوة الشرعية، وهي تتمثل أولا بالدستور باعتباره محور الشرعية التوافقية التي جاءت بهادي رئيسا ثم مددت له في فبراير من العام الماضي.
إن عودة الرئيس هادي مجددا كرئيس حر الإرادة، تستدعي تغييرا جوهريا في جدول اعمال الحوار الذي فرضه الحوثيون بالقوة الغاشمة على الجميع في موفنبيك مستفيدين من "الميسر" الدولي جمال بنعمر.
جدول الأعمال المقترح ينبغي ان يتمحور حول استعادة الدولة. واستعادة الدولة لا تكون إلا بالتمسك بالشرعية. والشرعية لا تتجزأ. وفي هذا المجال يمكن أن يفكر اطراف الحوار في دور محتمل لمجلس النواب (الذي ترتبط شرعيته بشرعية الرئيس المنتخب) في إعادة "اليمن" إلى السياسة، من أجل ترويض الحوثي الجامح الذي يتوعد اليمنيين وغير اليمنيين بالعقاب إن لم يمتثلوا لتصوراته الخرافية عن "يمن" يربض فوق ثروة من "الحجارة"! [هناك بالفعل ثروات متنوعة في اليمن بينها ما يؤكده باحثون جيولوجيون من أن لدى اليمن القدرة على تصدير الكثير من المواد المستخلصة من صخور الجبال، لكن هذا مشروط أولا باستقرار سياسي أمني يوفر بيئة مناسبة للاستثمار]
اليمن في مسيس حاجة إلى مشروع وطني يوفر أرضية لاصطفاف وطني متجاوز للعصبيات المناطقية والطائفية. ويقنع الحوثيين (العقلاء منهم اولا) بأن هناك دائما فسحة أمام اليمنيين للعيش معا بلا حروب ومن دون اضطرار الى إخضاع أي منطقة أو فئة في اليمن بالقوة.

رجل الميليشيا ... ورجل الدولة! عن خالد بحاح مرة ثانية

      فور التوافق على تكليف خالد محفوظ بحاح في اكتوبر الماضي، اتصل بي صديق عزيز، وهو بالمناسبة _ حسبما يقول_ في موقع المساهم في القرار داخل جماعة "انصار الله"، منتشيا بدوره في اقناع الرجل بالعودة إلى اليمن لتشكيل الحكومة.
     لم يعد هذا الصديق يتصل بي. والشاهد، من مواقفه وآرائه، انه لا يشعر بالخجل مما يحدث لرجل قام هو بإقناعه، كما يقول، بالعودة من العالم الجديد إلى "الأرض المحرمة" لتولي رئاسة حكومة!
      منذ ذلك اليوم كبر خالد بحاح في عيون اليمنيين، مقدما مثالا مشرفا على رجل الدولة المحترم، مذكرا بشخصيات حكومية محترمة سبقته مثل فرج بن غانم وفيصل بن شملان، بينما انحدرت جماعة الحوثي إلى الحضيض.
    والآن؟
     تفرض الميليشيا منذ 5 أسابيع حصارا على منزل رجل الدولة دون أي رادع من دين أو أخلاق (ولا أقول وطنية!).
لم يسبق ان شهد اليمن انحطاطا مماثلا منذ حرب 1994. وحتى في تلك الحرب الاجرامية التزم الرئيس السابق صالح محددات في ما يتعلق بقيادات بارزة في الدولة والحزب الاشتراكي.
      بمعزل عن رطانات قائد الجماعة وشطحات المتحدثين باسمها، فإن التاريخ سيسجل على هذه الجماعة أنها تجاوزت الحدود كلها، في إهانة اليمنيين، والتجرؤ على المناطق المحرمة في العلاقات السياسية والاجتماعية بينهم، دون أي اعتبار لمخاطر سلوكها على النسيج الاجتماعي والوحدة اليمنية.

الخميس، 26 فبراير 2015

الوحدة اليمنية بين "رئيس منتخب" و"سيد" يخوض حروب استرداد باسم التفويض الإلهي!

    القاعدة السائدة في الصراعات المحلية أن جماعة التمرد على الشرعية هي من يلوذ بالانفصال حتى بشكل غير معلن عبر اجراءات تكرس الأمر الواقع في الماطق التي تسيطر عليها.
الرئيس هادي لديه الشرعية والامتداد الأفقي من صعدة إلى سقطرى. ولديه الاعتراف الدولي والاقليمي بسلطته. وهذه جميعا_ بالسياسة _ أوراق قوة بيده بصرف النظر عن ما يؤمن به.
      الحوثيون كجماعة يجدون انفسهم، يوما تلو آخر، في مواجهة المجتمع، المجتمع المحلي، فصلا على المجتمعين الاقليمي والدولي. لقد قامروا بدعاوى ثوريه وتورطوا في عملية انقلابية فاشلة لا تحظى باعتراف أحد غيرهم. وهم فرضوا الأمر الواقع في صنعاء ومحافظات يمنية أخرى في الشمال جراء استقوائهم بالمكان. لقد كانت نقطة ضعف الرئيس هادي ونخبة المشترك (القروية، الريفية، نوعا ما) أنهم همشوا العاصمة صنعاء فساعدوا الحوثيين على النفاذ إليها. لكن الحوثيين أنفسهم وقعوا في خطيئة قاتلة عندما تعاملوا مع صنعاء كعاصمة ملكهم، لا عاصمة اليمنيين جميعا. بدا عبدالملك الحوثي وانصاره في صنعاء وكأنهم ينقلبون على التاريخ لا على السلطة الانتقالية، فهم استخلصوا العاصمة التي صار عدد سكانها 3 مليون يمنيا ويمنية، لأنفسهم كانها مدينة الأجداد يستردونها من الدخلاء عليها.
      الانفصال روحية وليس شعارا. والحوثيون وحلفاؤهم (العصبويون أو الوصوليون) هم الآن في الموقع الانفصالي.
سيطروا على مدينة اليمنيين جميعا بالقوة. وفرضوا ميليشياتهم على الجهاز البيروقراطي (عقل الدولة) واجتاحوا المعسكرات وانتهبوا معدات الجيش واسلحته (عمود الدولة) ، واستولوا على وسائل الإعلام العامة، وصمموا على أن ما يفعلونه ثورة، واعلنوا أن الرئيس هادي (الذي انتخبه 7 مليون يمني) مطلوب للعدالة!
        فعلوا كل هذه الفظاعات ثم يتغنون بالوحدة ويتحدثون باسم الشعب.
   (أي وحدة يتغنى بها الحوثيون؟ لعلها وحدة حزب الحق كما كتبت عقب اعلانهم الدستوري)
   (وأي شعب يتحدث باسمه "السيد"؟ لعله يقصد أنصاره واتباعه المؤمنين الذين ينتظمون في جماعته)
***
     لم ينتخب أحد عبدالملك الحوثي ولجانه وعماله على المحافظات التي اجتاحها. وخطاب الجماعة طافح باليقينيات والقطعيات والحصريات.
     إنه خطاب عصبوي وظلامي بامتياز.
     والقاعدة، مرة أخرى، ان من يخرج على الشرعية هو من يفكر أولا باختطاف أية قطعة أرض لإعلان دولته عليها.
المشكلة أن الحوثي يسيطر الآن على العاصمة.
       سوف يقاتل من أجل انتزاع ما يمكن انتزاعه من الأرض لتوطيد إمارته.
      وهو سيكرس الأمر الواقع في اليمن حتى لو آلت الأمور إلى سلطتين ثم دويلتين.
     الجماعة فوق الأوطان في وجدان المؤمنين المصطفين. وجماعة أنصار الله فوق اليمن. ولذلك لن يضيرها قط أن يتمزق.
***
        يملك الرئيس هادي الشرعية والشعبية والاعتراف الاقليمي والدولي.
       لكنه، كما كان يفعل على الدوام، لا يحسن استثمار الفرص، ولا يقدر ما لديه من قوه ومقدرات التقدير الكفؤ.
      رغم مرور قرابة أسبوع على خروجه من صنعاء في ما يشبه المعجزة (او بلغة الحوثيين، التأييد الالهي!) فإن الرئيس لم    يخاطب شعبه بشكل مباشر، حديث من القلب، حديث عفوي يرمم علاقته بهم التي كانت قد بلغت الجدود الدنيا من الثقة.
الرئيس هادي مطالب بأن يكون الرئيس هادي. رئيس الجمهورية اليمنية لا رئيس جمهعورية موفنبيك.
هذا يتطلب أن يحترم محددات وواجبات رئاسته. من ذلك فأنه ملزم باحترام الدستور النافذ وعدم القفز في الزمان إلى مرحلة مقبلة لم يختره اليمنيون من أجلها.
      هذا يقتضي التوقف فورا عن الترويج لهيئات غير دستورية من شاكلة قيادات الاقاليم. لا توجد اقاليم في اليمن بل محافظات حسب الدستور اليمني. والرئيس الذي يقاتل من أجل الشرعية لا يحرق مراكبها باسم مشروع مستقبلي أو لغرض دغدغة المشاعر الغرائزية في مناطق بعينها.
***
     الرئيس هادي كما يشدد كثيرون بينهم، مطالب بتقريب أهل الكفاءة والنأي عن المعايير القرابية والعصبوية في اختيار مساعديه.
***
      هناك سلطة شرعية في اليمن ستخوض معاركها من أجل حفظ وحدة البلد والسلم الأهلي.
     هناك سلطة أمر واقع، ثورجية وعصبوية وتخوض حروبها بروحية الحروب الاستردادية دونما اكترات لعواقب سلوكها على الوحدة اليمنية والنسيج الوطني. وهذه الجماعة قد تضطر _ بل ربما تتعمد_ تكريس الأمر الواقع في المناطق التي استولت عليها حتى وإن أدى الأمر الى تمزيق اليمن.
       هناك جماعة من اليمنيين قررت خوض مباراة صفرية ضد الجماعة الوطنية اليمنية.
     الجماعة العصبوية لديها "سيد" في صعدة.
     الجماعة الوطنية لديها رئيس في عدن.
       في القرن ال21 الأفضلية محسومة للرئيس إذا استمسك بالشرعية واحترم الدستور وانتصر لكرامة اليمنيين، من صعدة إلى سقطرى، دون تمييز.
      في المبنى والمظهر، قبل المعنى والمخبر، فإن السبق للرئيس الذي جاء بالانتخابات لا السيد المتعالي على اليمنيين بالولاية والاصطفاء والحق الإلهي في احتكار تمثيل اليمنيين.

الأحد، 22 فبراير 2015

سودة الدستور التي ظهر هادي في عدن شاهرا نسختها ستؤدي إلى حرب أهلية _ الفدرالية المستحيلة في اليمن أدت إلى سقوط صنعاء وعدن في قبضة الميليشيات _ سلطة الوفاق والدول الراعية اغلقوا اليمن على خيار الفدرالية في "صناعة إجماع" تكلف اليمنيين هويتهم وسلمهم الأهلي _ يستحيل على اليمنيين أن يعبرون بحرية عن إرادتهم في استفتاء على المسودة _ الاولوية الآن هي لمنع انزلاق هادي والحوثيين نحو مستنقع المباريات الصفرية

مسودة الدستور التي ظهر هادي في عدن شاهرا نسختها ستؤدي إلى حرب أهلية
_ الفدرالية المستحيلة في اليمن أدت إلى سقوط صنعاء وعدن في قبضة الميليشيات
_ سلطة الوفاق والدول الراعية اغلقوا اليمن على خيار الفدرالية في "صناعة إجماع" تكلف اليمنيين هويتهم وسلمهم الأهلي
_ يستحيل على اليمنيين أن يعبرون بحرية عن إرادتهم في استفتاء على المسودة
_ الاولوية الآن هي لمنع انزلاق هادي والحوثيين نحو مستنقع المباريات الصفرية
________________________________________________________
بوسع السياسيين اليمنيين، ومن والاهم من كتاب وصحفيين واكاديميين وقانونيين و"شخصيات وطنية" (!) متابعة المسيرة الحوارية المظفرة والثرثرة باسم مخرجات الحوار ومسودة الدستور والهيئة التنفيذية لمتابعة التنفيذ... الخ.
لكن الأمور الآن تبدو أكثر وضوحا من أي وقت مضى في مرحلة "صناعة الإجماع" التي كان اسمها "المرحلة الانتقالية" قبل أن يقرر الجميع حرفها عن مهامها باتجاه تفكيك الدولة والتشبث بالسلطة عبر سلسلة تمديدات.
لا مناص من إعادة مخرجات الحوار إلى طاولة الحوار مجددا بدلا من الانزلاق الى محاولات لفرض الأمر الواقع من قبل الرئيس هادي وحلفائه من جهة، والحوثيين وحلفائهم (المبرقعين) من جهة أخرى.
سياسة الأمر الواقع التي تورط فيها الجميع خلال السنوات ال3 الماضية، قبل أن يرتكب الحوثيون جماقتهم الكبرى 21 سبتمبر الماضي باجتياح العاصمة، أدت إلى نشوء وضعية حرجة هي بمثابة "موديل" لما ينتظر اليمنيين في حال استمرت هذه الأطراف في ألاعيبها السياسية.
هذه الوضعية تتمثل في سيطرة جماعة مسلحة على عاصمة الدولة ووجود رئيس الدولة في مدينة أخرى. الجماعة تستقوي بالمحيط القبلي لفرض هيمنتها وإنفاذ كلمتها. والرئيس يستقوي بالمكان (عدن ومحيطها) وبمسودة دستور لدولة افتراضية ليس مرجحا أن تعرض على استفتاء شعبي في المدى الفصير. لكن هذا الرئيس يتصرف منذ وقت طويل باعتباره رئيسا لهذه الدولة الافتراضية لا للجمهورية اليمنية، الدولة العضو في الأمم المتحدة!
***
الرئيس التوافقي في عدن بينما عاصمة الجمهورية ( وعاصمة الدولة الافتراضية المنصوص عليها في المسودة) تخضع لسيطرة جماعة سياسية مسلحة تقول إنها المعبرة عن إرادة "الشعب اليمني".
الرئيس التوافقي الذي انتزع قبل عام موافقة من 500 مشارك ومشاركة في مؤتمر الحوار، على "فدرلة" الدولة، وتمديدا لفترة رئاسته، يستعجل إقرار المسودة بأي ثمن دون تحسب لمخاطر هذا الاستعجال على السلم الأهلي ووحدة اليمن واستقراره.
***
لعبت فكرة الفدرالية دورا تخريبيا هائلا في المرحلة الانتقالية لأن الرئيس هادي ومعتنقي "الفدرالية" على تنوع (وتضارب) دوافعهم واهدافهم، جعلوا منها "إله" يعبد من دون الله. وكذلك فعل اللقاء المشترك والحوثيون و ( إلى حد ما) المؤتمريون الذين كانوا قبل 2011 يعتبرون الحكم المحلي كفرا بالوطنية.
لقد سمح الرئيس هادي، بتشجيع من أحزاب المشترك وسفراء دول غربية مؤثرة، بأن يوضع كيان الدولة التي يرأسها على طاولة النقاش في موقنبيك جنبا إلى جنب السلطة والاصلاحات السياسسية والانتخابية والقضايا السياسية الملتهبة جراء سياسات النظام السابق.
كان مؤدى هذا التكديس للقضايا والتطلعات والتصورات المستقبلية (الرومانسية غالبا) في مكان واحد _ حتى إذا كان فندق 5 نجوم_ هو ما يحدث اليوم؛ "عاصمة محتلة"، كما يقول مؤيدو الرئيس نفسه، من ميليشيات، ورئيس "هارب"، كما يقول مؤيدو الجماعة، من العاصمة، ولجان شعبية في مدن عدة، وجيوش قبلية في مأرب وشبوة وغيرهما من المحافظات التي يحتمل ان تكون ضحية لغزوات حوثية جديدة.
إن القول بأن هذه الوضعية كانت حتمية (بدعوى أن في اليمن "مركز مقدس") أو تحميل طرف واحد فقط مسؤوليتها، هو قول مجاف للحقيقة يستهدف تضليل الرأي العام المحلي والخارجي. فالثابت أن هناك من حذر من خطورة المضي قدما في المسار الانتقالي طبقا لتفضيلات الرئيس هادي وقادة المشترك والدول الراعية. ويمكن لأي متشكك في هذه القول العودة إلى نص استقالة عضوي اللجنة التحضيرية لمؤتمر الحوار الوطني رضية المتوكل وماجد المذحجي، واللذين اضطرا إلى الاستقالة جراء تواطؤ السيد جمال بنعمر مع السلطة الانتقالية ضدا على المصلحة العليا للشعب اليمني.
الدول لا تنهار تلقائيا، والمجتمعات لا تغرق في الحروب الأهلية لمجرد ان هناك تشوهات وأحقاد ورواسب كانت غير ظاهرة على السطح، ثم تفجرت دفعة واحدة في وجه الجميع. ومن غير العلمي عزو ظاهرة سياسية (أو تحولات سياسية واجتماعية) إلى عامل أوحد كما يفعل عديدون في اليمن منذ سنوات عندما جعلوا من مفردتين اثنتين محورا ودليلا لفهم أي ظاهرة او مستجد في اليمن. هكذا تحول "المركز المقدس" من مجرد اجتهاد لأحد السياسيين اللامعين لمقاربة أزمة الدولة اليمنية في القرن الماضي إلى "عقيدة" تزود المؤمنين بها بإجابات ناجزة وسريعة على كل الأسئلة التي تواجه اليمني في حياته الدنيا.
صار "المركز المقدس" مدخلا لتدنيس كل ما له صلة بالوطنية اليمنية.
ومن دون أن يكون في الامر سوء طوية بالضرورة، فإن كل الشرور التي اصابت اليمنيين خلال العقود الأخيرة صار لها "منبع" وحيد، هو "المركز المقدس".
والحاصل أن "عنفا لفظيا" هائلا تم توجيهه نحو فئات من اليمنيين بجريرة أنها "المركز المقدس". جرى هذا بالموازاة مع تجريد الرئيس السابق صالح وحلفائه من القوة، تدريجيا، وتكريس خطاب سياسي واعلامي يجعل من المرحلة الانتقالية فرصة ذهبية لان يتخلص اليمنيون في المناطق الوسطى والغربية والجنوبية والشرقية من اليمنيين "المشيطنيين" في المنطقة الشمالية. تضافر هذا العنف اللفظي وسياسات مرتجلة للسلطة الانتقالية فككت الجيش وأضعفت الروح المعنوية لأفراده وكرست حالة شقاق بين وحداته واشاعت فرزا على الهوية الاجتماعية والسياسية بين قادته.
في هذا السياق الكارثي، شق الحوثيون _ المبرؤون من أوزار الرئيس صالح وحلفائه القبليين والعسكريين ( الأوفياء والمنشقين)_ طريقهم إلى العاصمة في وقت قياسي دون ان تعترضهم أية قوة على الأرض.
***
لقد أهدرت سلطة الوفاق برئاسة هادي فرصة تلو أخرى، لتدارك الأخطاء وتصحيح المسار الانتقالي. وهي أنهت في وقت قياسي كل الايجابيات التي وفرتها الثورة الشبابية في 2011 وبخاصة الروح الوطينة العارمة التي رممت بعضا من التشوهات والصدوع التي خلفتها حقبة الاستبداد والفساد والحروب الداخلية في الشخصية اليمنية.
بدلا من تأجج "الذاتية اليمنية" في 2011 تتجاذب اليمنييين، في الوقت الراهن، دعوات عصبوية، مناطقية وطائفية وسلالية، تذكر بأسوأ ما تختزنه الذاكرة الجمعية من حروب وفتن ومذابح.
***
في سبتمبر الماضي نفذ الحوثيون قفزتهم الكبرى في مسيرتهم القتالية، باقتحام العاصمة صنعاء، وتمكنوا من وضع حد لأية نقاشات بشان تحسين مخرجات الحوار الوطني، إذ جعلوا من مسودة اتفاق جديد بين السلطة وبينهم، اتفاقا ناجزا يوقع عليه ممثلو الأطراف نفسها التي شاركت في موفنبيك. ألزم الاتفاق الجديد الأطراف الموقعة بمراجعة المخرجات المتعلقة ب"شكل الدولة".
بدت هذه الفقرة من الاتفاق هامشية لكثيرين وخصوصا "الفدراليون" اليمنيون وجمال بنعمر وسفراء الدول الراعية. لكنها في الواقع كانت "الفقرة المفتاح" التي تفسر كل ما جرى في اليمن حتى 21 سبتمبر، وكل ما سيجري بعد ذلك اليوم الذي كرس ما يشبه الانقسام بين فئتين من اليمنيين هما "الحوثيون" ومن والاهم، وغير الحوثيين.
لكن الحوثيين ليسوا مجرد فئة من اليمنيين. إنهم "جماعة" صاعدة تستثمر كل الفجوات والصدوع التي خلفها نظام صالح او تسبب بها مسار انتقالي فضفاض وغير آمن. وهذه الجماعة هي خليط من عقيدة (شمولية دينية) ومصالح (سياسية واقتصادية) وعصبية (بالمعنى الاجتماعي). وهي على أية حال جماعة تتركز في (وترتكز على) مناطق زيدية تقليدية اتسع مفهوم "المركز المقدس" في المرحلة الانتقالية ليشملها برعايته الكريمة!
هكذا صار للتقسيم الأولي لليمنيين في خريف 2014، عنصراه الأساسيين: حوثيون وغير حوثيين.
لكن هذا التقسيم لا يخدم الهدف النهائي لدعاة التقسيم، فكان من الضروري التقدم في التقسيم خطوة أخرى اعتمادا على وحدة قياس أكثر عملية: المركز المقدس (آزال) والأقاليم الخمسة الأخرى.
انطلاقا من وحدة القياس الرائجة هذه، صار من الممكن الحديث عن زيود وشوافع، مطلع ومنزل، يمن اعلى ويمن أسفل، شمال وجنوب ومشرق وتهامة،... وهكذا انحطت لغة السجال في اليمن لتبلغ الدرك الأدنى بعد سيطرة الحوثيين على دار الرئاسة ووضعهم الرئيس هادي قيد الإقامة الجبرية.
أعاد الرئيس هادي وكل المشاركين في موفنبيك، وبخاصة الحوثيون انفسهم، تعريف اليمني طبقا لمعايير شديدة البدائية. وأغلقوا الخيارات المستقبلية على ثلاثة: فدرالية من أي نوع؛ انفصال بأي وسيلة؛ دولة الرئيس السابق علي عبدالله صالح (بكل مثالبها وبخاصة التركيز العاصمي والتسلط العصبوي).
حرم اليمنيون من خيارات عديدة أخرى. وقد تكفلت "صناعة الإجماع" بتوجيه ال500 مشاركا في موفنبيك إلى "قبلة" الفدرالية باعتبارها الدين الذي لن يضل اليمنيون من بعد اعتناقه أبدا.
كان من موجبات هذا الاغلاق على الخيارات، الحؤول دون أية فرصة لالتقاء اليمنيين. ووأد أية محاولة لتذكيرهم بخيارات أخرى، ورفض أية مقترحات من اجل الإعداد الجيد للحوار الوطني بما في ذلك رفض التهيئة عبر اجراءات بناء ثقة في الجنوب وصعدة.
كان المطلوب أخذ اليمن في المرحلة الانتقالية الى التقسيم السياسي. وقد فعل جمال بنعمر وخبراؤه الذين يحهلون اليمن، كل ما يتوجب فعله لإقناع اليمنيين بأن الفدرالية ستأخذهم إلى الجنة.
***
في خريف الحوار نشب خلاف بين المبشرين بالدين الجديد حول عدد الأقاليم الذي سيعتمد لتقسم اليمن. كان هناك معسكران غير متكافئيين: معسكر قوي برئاسة هادي ويضم الإصلاح والمؤتمر والناصري واتحاد القوى الشعبية وتكلتلات شبابية ومدنية، وقد عزم أمره على تقسيم اليمن إلى 6 أقاليم بما يضمن تقسيم الجنوب إلى اقليمين على الأقل؛ ومعسكر آخر يضم الحزب الاشتراكي و"مؤتمر شعب الجنوب" (مكون محمد علي أحمد) وجماعات صغيرة أخرى لا تتمتع بقوة تصويتية في مؤتمر الحوار.
بين هذين المعسكرين وقف الحوثيون معتمدين أسلوب "الشيطان الأكبر" في "الغموض البناء". لم يقولوا كلمة فصل بخصوص مشروعهم التقسيمي الخاص، لكنهم ابدوا تحفظهم لاحقا، طريقة ومعايير تقسيم اليمن إلى 6 أقاليم. وأرسلوا إلى اطراف جنوبية وحزبية ما مفاده انهم يمكن أن يقبلوا تقسيما سياسيا من اقليمين؛ شمال وجنوب. وقد بدا هذا وجيها بالقياس الى ما كان يردده بعض الحوثيين قبل 2014، من أن الجماعة تؤيد حق الجنوبيين في تقرير مصيرهم! فضلا على هذه التصريحات، كان ناشطون جنوبيون، خصوصا الموالين لنائب الرئيس الأسبق علي سالم البيض المدعوم من إيران، يظنون أن تقدم الحوثيين في الشمال يقرب "اليوم الموعود" الذي تتنزل فيه الفدرالية على الجنوب، ثم يكون من بعد ذلك قرار بشان الوحدة.
***
يمكن اعتبار "الفدرالية" الكلمة المفتاح التي تفسر سلوك جميع الأطراف في المرحلة الانتقالية.
والشاهد أن "الفدرالية" بما هي موضوع مدرسي، شديدة الأغواء. أنها للوهلة الأولى الحل السحري لكل مشاكل اليمنيين مع دولتهم الراهنة.
كما أي حل سحري يتكثف في مفردة واحدة، صارت الفدرالية دين الشموليين بمختلف تياراتهم. لا يمكن تفسير هذا الانجراف العميق من قادة الأحزاب اليسارية والاسلامية والقومية في "الدين الجديد" من دون الإمساك ب"شموليتهم" المنجرحة او الآفلة. لقد قاربوا مسألة "كيان الدولة" كما كانوا يقاربون مسألة العدالة الاجتماعية او مسألة "الوحدة العربية" أو "الوحدة الأسلامية". كذلك حل شعار "الفدرالية هي الحل" محل "الإسلام هو الحل" ومحل "حتمية الحل الاشتراكي" ومحل "الوحدة العربية آتية لا ريب"!
في عام الحوار الوطني (2013) عاد الشموليون في اليمن إلى صباهم! لقد وفرت "الفدرالية" علاجا سحريا لحالة الضياع التي دخلوها جراء أفول، او انكشاف عيوب وثغرات، "ايديولوجياتهم" الشمولية.
صار للشمولي، الآن، ما يعيد إليه اعتباره.
هكذا، انغمس شموليو الماضي في تخليق شمولية جديدة من مسألة تجريبية محضة، هي "شكل الدولة".
ومن يعيد تتبع مسار الحوار الوطني، وتصريحات أبرز شخصياته، سيضيع وسط أكوام من المقولات التبشيرية التي انتشرت في عام الحوار. لكنه لن يجد أية دراسة علمية جادة تناقش الفدرالية في العمق.
شخصيا، اعرف ان الأطراف التي شاركت في مؤتمر الحوار، لم تكن مزودة بأية دراسات أو استطلاعات تتعلق بالدين الذي يبشرون به. لم يكن أي حزب قد ناقش بشكل مفصل كيف سيفدرل اليمن، وهل بالوسع حقا تحويل جنس دولة من "دولة بسيطة" إلى "دولة مركبة". وفي حال أمكن هذا، ما هي الكلف المتوقعة؟ وما هي المخاطر المحتملة؟ وهل سيؤثر تقسيم شعب واحد سياسيا على عدة اقاليم على هويته الوطنية؟ وما هي الآثار المتوقعة على حقوق المواطنة لليمنيين جميعا؟ وكيف يمكن تفكيك دولة باسم الفدرالية من دون ان يؤدي ذلك إلى تفتيت الهوية الجامعة لليمنيين؟
***
لم يحضر أي فدرالي جيدا للاختبار. كان المطلوب انتزاع قرار بأي ثمن وبأسرع وقت، يسمح بتحويل اليمن من دولة بسيطة إلى دولة مركبة.
لم يظهر أي خلاف ذي معنى بين الفدراليين الذين ظلوا حتى نهاية صيف 2013 على قلب "فدرالي واحد". لكنهم سرعان ما تضاغنوا بدءا من سبتمبر 2013. كانوا في الخفاء، وبعيدا عن "أرانب السباق" في موفنبيك، يتفاوضون على عدد الأقاليم! وفي رمضان من ذلك العام كانوا قد توصلوا إلى اتفاق أولي بتقسيم اليمن إلى 5 أو 6 أقاليم. لكن الحزب الاشتراكي اليمني أظهر لاحقا انه متمسك بخيار الاقليمين (شمال وجنوب). بينما التزم الحوثيون "الغموض البناء"، مبقين على هامش مناورة يساعدهم على تأجيل أي صدام بأي طرف، وانتظار مستجدات العلاقة بين اطراف المبادرة الخليجية.
***
في ذلك الخريف، كان من الواضح ان الحوثيين يواصلون تقدمهم في الشمال. وأن جماعات وازنة في حضرموت تتطلع الى اقليم خاص بالمحافظة، وليكن أقليم يضم محافظات أخرى إن لزم الأمر.
كان الرئيس هادي من أوائل معتنقي الدين الجديد. لكن حليفه الحزبي الرئيسي، وهو التجمع اليمني للإصلاح الذي لعب إلى حد بعيد، دور الحزب الغالب (أو المسيطر)، كان من المؤمنين التابعين (!). والحاصل أن الرئيس والإصلاح التقوا في منطقة "الاقاليم ال6". كانا ضد فكرة الانفصال. وبالتالي وقفا بشدة ضد فكرة الاقليمين. كانا يعرفان ان فكرة الاقليمين لها جاذبية أقوى لدى حلفائهم في الجنوب والشمال. وكلاهما أدرك أن ضرب هذه الجاذبية يتطلب فكرة اكثر جاذبية أو فكرة معطلة!
في منتصف 2013 بدأ الرئيس هادي والإصلاح (وغريمهما الأول حزب المؤتمر الشعبي) الدفع باتجاه اقليم شرقي محوره حضرموت. كان هذا التكتيك يثير جنون الحزب الاشتراكي والحراكيين. فقد ظهر أن في حضرموت وشبوة نزوع قوي للابتعاد عن محافظات الجنوب الاخرى. وقد جرى استدعاء مشروع بريطاني يقسم الجنوب إلى محميتين، غربية وشرقية انطلاقا من عدن.
هكذا استقطب مشروع الاقاليم ال6 كل خصوم الحراك والاشتراكي اولا.
كان تقسيم الجنوب (السياسي السابق) إلى اقليمين يجهز تلقائيا على أي امل في استعادة "الجنوب السياسي" باسم الفدرالية أو بهدف الانفصال (أو فك الارتباط بحسب علي سالم البيض).
[يحضرني هنا لقاء بسياسي بارز من المشترك في خريف 2013، وقد سمعت منه مباشرة ما يمكن اعتباره تعهدا بمواجهة مشروع الاقليمين بأي ثمن حتى لو اضطر حزبه إلى لعب الورقة الحضرمية!]
كسب مشروع الاقاليم ال6 تأييد القوى الرئيسية في موفنبيك باستثناء الحزب الاشتراكي. وقد وجد التجمع اليمني للإصلاح في هذا المشروع ما يبدد هواجسه من التنامي المتسارع لقوة الحوثيين في الشمال. هكذا صار اقليم "آزال" حلا مثاليا للمسألة الحوثية. كان مطلوب تحجيم الحوثيين في الشمال الزيدي خصوصا وقد ظهر للجميع ان هذا "الشمال" سيكون للحوثيين فيه الكلمة الفصل. وقد تحمس الإصلاح لفكرة اقليم شمالي خاص بمناطق نفوذ محتملة للحوثيين. وقد أدى هذا التقسيم الطائفي إلى ضم محافظة ذمار، بما هي محافظة سكانها في اغلبهم من اليمنيين الزيود، إلى اقليم "آزال" بعدما كان التقسيم الأولي يضعها في اقليم "سبأ". [توجد تفاصيل موجعة بشان هذا التقسيم البدائي لليمنيين]
في ديسمبر 2013 خرج الدكتور ياسين سعيد نعمان (بما هو نبي الفدرالية في اليمن أو ما يمكن أن يكون "فرانكشتاين الأول" في اليمن) مغاضبا بعدما تيقن من أن الرئيس هادي حسم موقفه لصالح الاقاليم ال6 متحالفا مع الإصلاح وقطاع مؤثر من حزب المؤتمر الشعبي وكل اؤلئك الذين يتطيرون من انفصال يمهد إليه تقسيم فدرالي من اقليمين.
وقد تشكلت لجنة لتحديد عدد الأقاليم بتفويض شبه مطلق للرئيس هادي من مؤتمر الحوار الوطني. وفي اللقاء الأول للجنة بدا الرئيس هادي حاسما ومستعجلا قرار التقسيم الجاهز. وهو طلب من اللجنة انهاء مهمتها (الاستراتيجية والمعقدة) في ظرف يومين، لكن اعضاء في اللجنة اقنعوه بأن انجاز المهمة بهذه السرعة يثير شبهات في أن اللجنة لم تفعل شيئا سوى الإذعان لمشيئة الرئيس الذي شكلها. تحلى الرئيس بالصبر مراعيا الشكليات. وانهت اللجنة مهمتها بنجاح لكن ممثل جماعة الحوثيين رفض التوقيع على "تقسيم اليمن" لأن لديه تحفظات. وكذلك قال عبدالملك الحوثي مرارا في العام الماضي.
***
انعكس مشروع التقسيم موادا في مسودة الدستور. وفي الأثناء كان الحوثيون يتابعون تقدمهم جنوبا بدءا من صعدة. وقد استولوا على عمران ثم على العاصمة في سبتمبر الماضي.
كان هذا التطور يثير قلق الفدراليين (السداسيين، إن جاز الوصف). وكم كان لافتا أن هؤلاء، وهم مسؤولون رفيعون في الحكومة والبرلمان والأحزاب والسلطة المحلية، سارعوا إلى إجراء اتصالات ومشاورات ولقاءات لبحث هذا التطور الخطير الذي يهدد مشروعهم الافتراضي. كان التقسيم لا "العاصمة المحتلة" هو ما يثير قلقهم. وقد اجتمع ممثلون افتراضيون من اقليم "الجند" واقليم "حضرموت" لغرض تدارس ما يمكن فعله لمنع الحوثيين من تغيير صيغة التقسم، خصوصا وان الحوثيين كانوا قد تمكنوا من ادراج مطلبهم بإعادة النظر في موضوع شكل الدولة، في اتفاق السلم والشراكة.
***
يمكن ببساطة تفسير سلوك الفاعلين السياسيين اليمنيين انطلاقا من "الفدرالية"، بإقليمين أو بستة أقاليم.
في هذا السياق يمكن فهم ما ورد في موقف الحزب الاشتراكي من الإعلان الدستوري. فقد تضمن الموقف تجديدا على تمسك الحزب بخيار الاقليمين!
بالنسبة لأي قارئ عابر، فإن الإشارة إلى مشروع الاقليمين في معرض بيان بشان اعلان دستوري للحوثيين ينهي السلطة التوافقية ومرجعيات المرحلة الانتقالية، هو أمر مثير للاندهاش والعجب. لكن أي متابع لسلوك قيادة الحزب الاشتراكي يجد الامر اعتياديا على غرائبيته. ذلك ما اعنيه ب"رهين المحبسين".
يمكن في المقابل قراءة سلوك التجمع اليمني للإصلاح في ضوء هذا المشروع. فقد أراد الإصلاح (المتحفظ اساسا على مشروع الفدرالية) تعويض خسائرة المروعة في الشمال بتحفيز مشاعر دينية سنية في المشرق وتهامة وإب وتعز والجنوب. صارت فدرالية ال6 بمثابة طوق النجاة الإصلاحي من الوحش الفدرالي الزاحف من الشمال، والذي تخلق في عامي الحوار بفعل مثابرة الدكتور فرانكشتاين.
***
يمكن تلخيص المشهد الآن على النحو الآتي:
_ كانت الفدرالية مجرد فكرة يتم التلويح بها ضدا على مركزية طاغية لا تحتمل.
_ صارت الفدرالية دين النخبة اليمنية بدءا من عام 2012.
_ صارت افيون الشعب اليمني أيضا. فاليمنيون مطالبون بإرجاء اهدافهم من الثورة الشعبية حتى تنزل الفدرالية في صيغة 6 فراديس.
_ تمكنت السلطة الانتقالية من إرباك الحراك الجنوبي، وتحجيم الحزب الاشتراكي.
_ في ما يشبه الاستجابة الغريزية للتحدي الفدرالي، تقدم الحوثيون بقوة في الشمال لمنع أي مخطط يعزلهم داخل اقليم آزال. وقد استفاد الحوثيون من الثغرات الظاهرة على التقسيم الاعتباطي الذي قام على اسس مناطقية وطائفية، ولأجل اعتبارات سياسية لبعض الاطراف في السلطة.
_ يتضمن تقسيم ال6 اقاليم اكراهات لا حدود لها في ما يخص السكان داخلها.
_ التقسيم يغذي_ حتى من قبل ان يتنزل خطوطا وحدودا على الأرض_ النزعات الطائفية والمناطقية في اليمن.
_ التقسيم الفدرالي من أي عدد، يعيد تعريف اليمنيين كأقليات وأكثريات داخل كل اقليم.
_ الفدرالية طبق التصورات الراهنة بما فيها مسودة الدستور، مستحيلة التحقق.
_ يوجد مسودة دستور يلوح بها الرئيس هادي وكل خصوم الحوثيين. لكن الأكيد أن هذه المسودة لن تخضع لاستفتاء شعبي. فالانقسام الحاصل بشأنها يحول دون ان تصير "العقد الاجتماعي" لليمنيين. فهناك بالتأكيد نسبة مقدرة من اليمنيين لا يقبلون بها، في الشمال وفي الجنوب.
_ حتى في حال أصر الرئيس هادي، بدواعي الثأر من الحوثيين او استمرارا لمشروعه الأصلي، على تحويل مسودة الدستور الى محور استقطاب لليمنيين ضدا على الحوثيين وعلى الحراكيين، فإنه لن يتمكن من نيل موافقة الشعب اليمني عليها.
_ الفدرالية_ كما هو رأيي منذ البداية_ مستحيلة التحقق في اليمن راهنا. إن التبشير المستمر بفراديسها على الأرض، هو ما يثير المزيد من المخاوف حول مستقبل الكيان السياسي لليمنيين. وبالنسبة لي فإن ما يثير قلقي هو استحالة ان تتحقق بشارات الفدراليين وليس تحققها.
_ بوسع أي كاتب أو صحفي او أكاديمي، ان ينخرط كعامل مخلص في صناعة الإجماع. لكن عليه ان يتساءل أولا عما كان يفعله الرئيس هادي والحوثيون والمشترك والمؤتمر وممثلو الشباب والمكونات المدنية والنسوية في موفنبيك خلال عام 2013.
كانوا يصنعون الإجماع!
الإجماع الذي مكن الحوثيون من الاستحواذ على عاصمة اليمنيين، ودفع الرئيس إلى اللجوء، سرا، إلى عدن التي صارت معقله بعد سيطرة اللجان الشعبية (ميليشياته) على المدينة.
***
كما تفعل "صناعة الإجماع" في العادة. يخضع اليمنيون بمختلف شرائحهم ومناطقهم، لإكراهات غير مسبوقة. وسيكون من الجنون أن يتابع صناع الإجماع الإنتاج في بلد صار في "عين العاصفة"، ويستحيل على أبنائه، في الوقت الراهن، أن يعبرون بحرية عن إرادتهم في استفتاء شعبي.
عقب اختتام مؤتمر الحوار الوطني في يناير 2014، اقترحت عقد حوار بين اليمنيين بعد تبديد فرصة حوار 2013.
اجدد هذا المقترح الأن. بل وأشدد على ضرورته قبل أن يأخذ الرئيس هادي والحوثيون اليمن إلى حرب وجود، إلى مباراة صفرية، إلى قتال حتى النهاية قد يخرج طرف منه منتصرا لكن على "اليمن الخراب"!