الأحد، 22 مارس 2015

بين رجلين وبلدين وحربين مقدستين: بوش الإبن وعبدالملك الحوثي!

     من صنعاء صدرت التوجيهات بشن الحرب ضد جماعة الحوثيين في صعدة، 6 مرات خلال العقد الماضي.
     من صعدة أصدر قائد الجماعة توجيهاته بشن الحرب على المحافظات التي ما تزال غير خاضعة لسيطرته.
تراجيديا يمنية.
   بعد اجتياح ميليشوي للشمال انطلاقا من صعدة، والتوسع غربا باتجاه تهامة وجنوبا باتجاه ذمار وإب، "الضحية" يشن الحرب على مناطق اليمن الوسطى والحنوبية والشرقية بالتحالف مع "الجلاد".
الحرب على الإرهاب مسؤولية سلطة شرعية لا جماعة من اليمنيين تتحرك خارج أي غطاء وطني ضدا على مناطق تزعم انها تحتضن القاعدة.
هذه حرب ملعونة لن يكون اليمن بعدها "يمن". بل طوائف وامارات إسلامية، وطوابير خامسة تشتغل لعواصم الاقليم والغرب.
في خطاب عبدالملك الحوثي اليوم تذكرت الرئيس الاميركي الأسبق جورج بوش الإبن.
في 2001 اعتبر بوش الإبن الحرب على الإرهاب _ طبقا لمفهومه الضيق _ مهمة مقدسة. وهو أشار لاحقا إلى أنها حرب دينية (صليبية) ضد تنظيم القاعدة وحلفائه. كان المعنى ينصرف إلى المسلمين وإلى افغانستان حيث تسيطر حركة "طالبان" وإلى "العراق" البلد العربي الذي صار متهما بالتعامل مع قياديين من القاعدة. لاحقا ظهر زيف الادعاء الاميركي، ولكن بعد تدمير العراق وتسريح الجيش والبيروقراطية وتفكيك البنى العصرية للدولة والمجتمع لصالح ميليشيات شيعية وسنية.
بوش الإبن تحدث في خطابه بعد احداث 11 سبتمبر 2001 عن محور الشر. وهو اعتبر العراق وكوريا الشمالية وإيران اضلاع هذا المحور_ المثلث.
بوش الإبن توعد الدول التي ترعى الإرهاب أو تأوي ارهابيين بالحرب، معيدا الحياة إلى مبدأ واشنطن في عقدي الخمسينات والستينات في التعامل مع دول عدم الانحياز، ف"من ليس معنا فهو ضدنا"!
بوش الإبن شن حربين على افغانستان والعراق، ونفذ عمليات سرية واسعة، ودشن حروب الطائرات بدون طيار خارج الشرعية الدولية، واعتمد قانون الأدلة السرية في التعامل مع المشتبه بهم في اميركا، وساق أسرى حروبه إلى معتقل خارج الحدود (جوانتانامو) لتجريدهم من أية حماية قانونية، ومعاملتهم ككائنات غير ادمية، توضع في أقفاص لدراستها تصديقا للصورة المجازية التي قدمها ادوارد سعيد لتبيان البعد العنصري لدى مؤسسات استشراقية غربية خلال القرنين ال19 وال20.
بوش الإبن تفرد ببساطته في مقاربة القضايا المعقدة في العالم انطلاقا من "خيرية" مفعمة بالإيمان عن الأشرار الذين "يكرهوننا". لم يجهد كثيرا في التحليل، ولم يتحسب قط للعواقب. احتل دولتين واعلن انتهاء الحرب على الإرهاب، ممهدا الطرقات لجماعات مسلحة أكثر جذرية ومحلية من القاعدة.
بوش الإبن كان غاضبا وناقما وجامحا حتى أنه لم يستطع صبرا مع حلفاء مترددين او متشككين، وهو شن حربه على العراق خارج الشرعية الدولية.
***
عبدالملك الحوثي اعتبر الحرب التي يشنها على الإرهاب حربا دينية، فهو لم يستند مطلقا خلال ساعة تقريبا من التعبئة على أي نص دستوري أو قانوني يمني.
تحدث عن "قوى الشر" التي تستهدف "اليمن"!
انتقد "الحلفاء". وعبر عن ضيقه من التسويف في "موفنبيك". واعلم الجميع أنه ذاهب إلى "المهمة المقدسة" بدونهم.
حرص على عدم ترك مجال للشك في ما يعنيه بحربه. فهو أكد ان المناطق التي لا تتصدى للإرهاب سيتم اجتياحها. [الحرب على الإرهاب مهمة سلطة شرعية ومؤسسات خاضعة لأوامرها وليست مهمة أهلية على أية حال].
لم يظهر أي اكتراث للشرعية. حتى اتفاق السلم والشراكة الذي جرى التوقيع عليه في 21 سبتمبر الماضي، لم يعد يعنيه. صار للرجل قانونه الخاص الذي يتحرك تحت مظلته، وهو "الإعلان الدستوري".
ماذا أيضا؟
عبدالملك الحوثي قال صراحة اليوم إن من ليس معه (في الاعلان الدستوري واجتياح المناطق) فهو ضده. حتى أولئك الذين تملقوا جماعته طيلة الشهرين الماضيين (منذ 21 يناير) لم يعرهم أي اهتمام. بل إنهم مدانون بالتسويف والمراوحة. [شخصيا لا أجد ما يزعجني في قوله، فحوار موفنبيك كان اساسا مهزلة حزبية يرعاها بنعمر]
لا شيء عدا أن بوش الابن دمر دولتين عدوتين بحسب زعمه. بينما المقامرة الحوثية لن تدمر أية دولة سوى "الجمهورية اليمنية".
***
اليمن في خطر عظيم. وإذا تابع أبطال "الحوار الموفنبيكي" الهرولة فإن حربا غير مسبوقة في تاريخ اليمن، القريب والحديث والوسيط، ستغرس "الشرور" في كل بقعة من أرض اليمن.
***
جماعة "أنصار الله" في حرب!
هناك قائد مستعلٍ، كلي القدرة.
وهناك جنود يطيعونه.
لذلك لن يظهر أي صوت مختلف أو متمايز داخل الجماعة وفي المجلس السياسي الذي لا يعدو كونه واجهة علنية تنفذ التعليمات، تماما كما اللجنة الثورية واللجنة الأمنية.
لا يوجد صوت مختلف أو حتى متمايز او ذو نبرة مختلفة.
هذا مؤشر خطير، ومثير للقلق.
ويحتاج قراءة أعمق لجماعة تقارب قضايا مجتمعها باسم "الله" و"الشعب"، وتشن الحروب في كل اتجاه.

الحوثيون في حرب دينية جهوية على "الجنوب"!

حماقة كبرى ما اعلنته اللجنة الثورية (الواجهة الثورية لجماعة "أنصار الله"، الحوثيين) مساء امس بخصوص دعوة الجيش والأمن إلى التعبئة العامة ضد "التكفيريين"!
هناك الكثير مما يقال عن هذه الحماقة، هاكم بعضه:
_ الحوثيون مطالبون أولا بتغيير "العنوان"، فالألفاظ خدم المعاني كما يقول علماء العربية. ومن يضطفي نفسه باسم "أنصار الله" يكون تكفيريا بامتياز حتى ولو لم يمارس التكفير اللفظي كما يفعل "أنصار الشريعة"_ القاعدة. لست مع المقارنة بين الجماعتين لكن "أنصار الشريعة" أخف وطأة من "انصار الله"، فالشريعة شرائع وتحتمل الاختلاف والتمايز، بينما الله واحد؛
_ الحوثيون يدعون المؤسسة العسكرية والأمنية إلى اعلان النفير وخوض الحرب ضد التكفيريين. خوض الحرب تعني الذهاب بالمسلحين النظاميين والميليشياويين إلى تعز ومأرب والمحافظات الجنوبية والشرقية بلوغا إلى عدن باسم محاربة التكفير. بالتأكيد فإن الحوثيين لا يملكون إعلان الحرب على "الانفصاليين" كما فعل حليفهم الرئيس السابق قبل عقدين. فالشرعية التوافقية هي في عدن والتمرد هو في صنعاء. كما ان الرئيس هادي _ بكل التحفظات على سلوكه وخطابه_ لم يعلن أية خطوة تشي باالانفصال. والمغزى هنا أن الحوثيين_ في حال ذهبوا إلى الحرب الشاملة_ سيرتكبون ما هو أقظع مما جرى في 1994؛
_ في 1994 كان الانقسام سياسيا وإن تجسم بالحرب جهويا، وتكرست جهوية الحرب بعد انتهائها من خلال ممارسات المنتصر في عدن. لكن الانقسام الآن يأخذ منذ البداية جوهره الجهوي. صحيح ان للحوثيين وحليفهم الحربي علي عبدالله صالح، "مناصرين" في عدن وتعز ومحافظات جنوبية وشرقية، لكن هذا لا يغطي على تضاريس جغرافيا التحالفات. الحرب المزمع خوضها تتموضع منذ اللحظة الاولى كجرب طائفية. وفي اليمن فإن طائفية تحيل على جغرافية مباشرة. فالتطابق بين المذهب والمكان، كلي تقريبا. فالزيدي هو الشمالي إلى حد بعيد والشافعي هو الجنوبي إلى حد ما. الزيود هم مطلع والشوافع هم منزل. لذلك يصير رفع لواء التكفير شديد الخطورة ان صدر من جماعة عقائدية زيدية؛
_ رفع لواء التكفير ضد الرئيس هادي وحلفائه يعني التورط في تدمير النسيج الوطني بأكثر مما سببته حرب 1994. قبل عقدين شن الرئيس صالح والتكفيريون حربا ضد الاشتراكي، باسم اسقاط المشروع الانفصالي ودحر التمرد على الشرعية ومكافحة الشيوعية والإلجاد، آلت إلى حرب ضد الجنوب. واليوم يقوم الحوثيون بالمثل؛ شن حرب على من يسمونهم التكفيريين ستؤول إلى حرب على الجنوب؛
_ من يكفر من؟ الحوثيون في حوهرهم جماعة عقائدية. لا يمكن الإغفال عن تلك الروحية اليقينية لعبدالملك الحوثي في أمور السياسة والحرب. وخوض الجماعة الحرب باسم محاربة التكفيريين لن يكون من موقع وطني او علماني أو مدني بل من موقع اسلاموي مضاد. إننا إزاء مقدمات المشهد العراقي حيث ميليشيات شيعية تقاتل ميليشيات سنية باسم محاربة الإرهاب؛
_ يوجه الحوثيون الجيش بإعلان النفير! لكن ما هو هذا الجيش؟ نعلم أن القائد الأعلى للقوات المسلحة هو الرئيس عبدربه منصور هادي. أغلب الأحزاب وأغلب اليمنيين والمجتمع الاقليمي والدولي _ باستثناء إيران_ يعترفون بشرعية هذا الرئيس ويرفضون انقلاب الحوثيين وحليفهم الرئيس السابق علي عبدالله صالح. هناك وزير الدفاع محمود الصبيحي أيضا. الذي ما يزال وزيرا للدفاع، ويتمتع بسمعة طيبة. بل إن الحوثيين أنفسهم حرصوا على وضعه كرئيس للجنة الأمنية العليا التي شكلوها عقب اعلانهم الدستوري. والحال أن اعلان النفير من قبل الحوثيين لا يعني سوى تدمير المؤسسة العسكرية وتكريس الانشقاق فيها ضدا على مصلحة اليمنيين جميعا.
***
الحوثيون جامحون.
لديهم حليف صريح محلي هو الرئيس السابق صالح الذي لن يوفر فرصة العودة _ أو التخريب على الأقل_ عبر دفع الجماعة الفتية إلى خوض حرب طائفية جهوية باسم محاربة التكفيريين والانفصاليين.
***
حرب الآن بأي ذريعة وتحت أي لواء، ستعني تدشين حرب طائفية وتهيئة المسرح للبطل الجهادي المقبل الذي سيرث عرش الحوثيين في اليمن!

الأربعاء، 18 مارس 2015

حوارات ومراوحات موفنبيك الدموية!

منذ عامين وهم يتحاورون ويراوحون في موفنبيك. في فندق ال5 نجوم شرقي العاصمة.
منذ عامين يتحاورن ويراوحون.
دميمون وانانيون، لصوص ثروات ولصوص ثورات، وصوليون وأصوليون، ظالمون وظلاميون.
منذ عامين يتحاورون حول "البيضة والدجاجة".
كيانين أم ستة أم عشرين؟
منذ عامين وهم يتجادلون حول أي الدروب أقصر إلى مشاريعهم الفدرالية الطوباوية: الذهاب الى انتخابات اولا أم الذهاب إلى الفوضى المستدامة، ثم تكون فدرالية؟
منذ عامين وهم يتبادلون الابتسامات في القاعات والصالات.
ثم، ما ان يغادرونها، يتبادلون الطعنات في الظهور.
منذ عامين وهم يذرفون الدموع، امام الكاميرات، حزنا على الشهداء، ويهرولون مجددا إلى المنصات لمتابعة عروض ملهاة "الحوار في الفندق". وفي الأثناء ينضم شهيد جديد إلى القائمة.
منذ عامين وهم غارقون في الترهات والتفاهات والخزعبلات. منغمسون في الالاعيب، مثابرون على المشاركة في المناورات المبتذلة. يبشرون الشعب المعذب الصابر المكلوم بالاتفاقيات والوثائق المتخمة بالنصوص وبالفراديس التي تتتزل حمما تشوي الوجوه والأجساد.
منذ عامين وهم في موفنبيك يبيعون، للشعب، المكيفات والخرافات والمعجزات.
منذ عامين وهم يناؤون الشعب، ينأون عنه، يتصاغرون فيصغرون كلما حلقوا باتجاه "كوكب" الاساطير الحوارية، بعيدا عن هذه البقعة الحزينة من كوكب الأرض.
منذ عامين وهم يبتزون اليمنيين بالإرهاب وبالانفصال وبمشاريعهم التقسيمية. يروعونهم بأحلامهم المجنونة، ويبلبلونهم بمسودات اتفاقاتهم الحضيضية.
منذ عامين، وهم يعبثون في موفنبيك باسم الحوار والشراكة والسلم واليمن الجديد بينما اليمن يتردى في الظلام وينحدر إلى حواف المجاعة والفوضى والاقتتال الطائفي.
منذ عامين و"صناعة الإجماع" تحرق اواصر اليمنيين، تدمي قلوبهم، تحصد أرواحهم، وتصادر مستقبلهم المشترك لصالح جماعات مصالح و"طوابير خامسة"، وبيروقراطيين فاسدين ومعمرين مهووسين بالسلطة.
منذ عامين والمجتمع الدولي يتحدث عن معجزة يمنية بينما يواصل تجريب مخترعاته العنصرية على اليمن، الكيان والهوية والإنسان.

الأحد، 15 مارس 2015

الرياض مدعوة إلى احترام الدستور اليمني والمبادرة الخليجية!

      استرعى اهتمامي ترديد قنوات فضائية خليجية منذ عصر اليوم بأن السعودية دعت 200 يمنيا من مختلف القوى السياسية والأفاليم للمشاركة في "حوار الرياض".
      الحوار اليمني هو بين مكونات سياسية يمنية هي ذاتها التي وقعت على المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، وعلى اتفاق السلم والشراكة (بانضمام جماعة "أنصار الله").
     مرجعيات الحوار الوطني التي تشمل الدستور النافذ والمبادرة وآليتها، لا تفيد بوجود أقاليم في اليمن بل محافظات.
السعودية مدعوة إلى الاحتفاظ بمسافة واحدة من كل الفرقاء اليمنيين بما أنها متحمسة لمساعدة اليمنيين في انجاز حوار يتدارك انهيار دولتهم ويوقف انحدار الأزمة باتجاه الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي.
     والاحتفاظ بمسافة واحدة لا يكون إلا باحترام الدستور اليمني النافذ والمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية. علما بأن المبادرة والآلية لا تنصان على تقسيم سياسي لليمن.
      الحوثيون يرتكبون حماقات في اليمن. لكنهم لا يشعرون بالغربة في مجتمع سياسي يمني يتزاحم في واجهته حمقى معتقون من شاكلة قادة اللقاء المشترك الذين أخذوا اليمن باسم الفدرالية إلى هذه الفوضى، من دون أن يعالجوا أية أزمة أو مشكلة منذ 3 سنوات.
       اليمن هو اليمن.
     كريم وعزيز لكنه جريح.
    معذب وفقير، يتضور جوعا ويجتاحه العنف والإرهاب.
هو أحوج ما يكون إلى جيران طيبين لا يستثمرون صراعاته من اجل أجندات خاصة من شاكلة التمزيق الطائفي والجهوي باسم الفدرالية المستحيلة في اليمن!
في عصر "الفوضى الخلاقة" وحروب الطوائف وصدام الجاهليات، فإن "يمن" متعافيا وديمقراطيا،مستقرا وموحدا، هو مصلحة قومية لكل دول الخليج العربي.

·

السبت، 14 مارس 2015

عن "احتكارات التمثيل" ومشاريع التفتيت و"داعش" اليمني!

   المدخل إلى انقاذ اليمن من الحرب الأهلية يكون في تقويض احتكارات تمثيل اليمنيين، الاحتكارات التي ازدهرت خلال العقد الأخير وبلغت أوجها في السنوات ال3 الماضية.
لا أحد يحق له الحديث باسم جماعة من اليمنيين على اساس طائفي او جهوي.
الديمقراطية اجرائيا هي انتخابات دورية تحقق تداولا سلميا للسلطة. والانتخابات تجري بين احزاب سياسية وليس بين طوائف وجهات واعراق.
لذلك فإن الخطر الأعظن على اليمنيين الآن يكمن في جموح جماعات وعصابات وقيادات تاريخية وزعامات، بالزعم، باتجاه احتكار تمثيل اليمنيين كفئات ومناطق وطوائف، في المجال السياسي.
_ الرئيس عبدربه منصور هادي هو رئيس انتقالي. رئيس مؤقت لليمنيين في مرحلة انتقالية ينبغي ان تهيئهم إلى مرحلة جديدة تبدأ بانتخاب ممثليهم للسلطتين التنفيذية والتشريعية. ومن هذا الزاوية فإن الواجب بعد كل هذه الانهيارات في المرحلة الانتقالية هو تطوير صيغة انتقالية قصيرة الأمد تكفل إنهاء اجتياح العاصمة صنعاء من قبل ميليشيات الحوثيين، وتنص على مهام مزمنة تعالج اخطاء المرحلة الانتقالية التي ادت إلى المزيد من التعقيدات في اليمن. ومن ذلك تعديل طفيف في حكومة بحاح يضمن تمثيلا وطنيا اوسع لها، وغعادة النظر في بعض مخرجات الحوار الوطني التي ينص عليها اتفاق السلم والشراكة.
_ الأستاذ عبدالملك الحوثي هو قائد جماعة سياسية يمنية. هو قائد جماعة الحوثيين التي صار اسمها "أنصار الله". وهذه الجماعة ليست "الزيود" في اليمن. وهي ليست "الهاشميين". وليست بالتأكيد اليمنيين الذين تم حشرهم في اقليم افتراضي أسمه "آزال" بالتوازي مع عنف لفظي من قبل بعض الموتورين من الحزبيين والسياسيين الذين يمثلون بالليبرالية واليسار والقومية العربية بخطابهم العصبوي المخزي.
_ مهما انفقت دول الخليج من اموال فإن من المستحيل ان تتبلور صيغة اختمارية لتمثيل الجنوبيين. يستحيل ان يتحقق اجماع حول أي قائد او هيئة تزعم انها تمثل الجنوب الافتراضي. هناك وحدة قامت في 1990 نجم عنها زوال الدولتين السابقتين. وهناك حرب قامت في 1994 نجم عنها تغول طرف سياسي على اليمنيين جميعا، ومارس هذا الطرف ما يمكن وصفه ب "الاستعمار الداخلي" فصار "المستعمر الوطني". لكن الشمال والجنوب صارا تراثا سياسيا في اليمن. وأية محاولة لاستحياء الدولتين بدعاوى عنصرية في الشمال وتحررية في الجنوب ستكون مدمرة، وستؤسس في الواقع لدولة ثالثة هي دولة "داعش" اليمني!
_ هناك دائما مجالا للعودة عن خيارات ثبت استحالة تحققها. خيار الفدرالية الذي طرح في موفنبيك لمعالجة القضية الجنوبية ثبت فساده، خصوصا بعد ان صارت الفدرالية مدخلا لتمزيق اليمن وتقويض "الوطنية اليمنية" عبر تفخيخها بتحويل الهويات الفرعية إلى هويات بديلة. إن التساكن بين الهويات الفرعية والهوية الوطنية اليمنية لا يكون إلا بالمواطنة المتساوية وليس بإعادة توزيع اليمنيين سياسيا طبقا لمعايير طائفية ومناطقية وحشرهم في معازل يتولى إدارتها محتكرو التمثيل. في هذه الحالة لا يوجد أي فارق بين المعزلين الاثنين والمعازل ال6. ففي الحالين سيعاني اغلبية اليمنيين من إكراهات بسبب تغول جماعات نفوذ او سلاح عليهم.
_ هناك مدينة كبرى ثانية في اليمن بعد عدن. وهذه المدينة صارت تجمع أكبر عدد من اليمنيين في مكان واحد. وهي المدينة التي باتت التكثيف الأمثل للشعب اليمني. اتحدث هنا عن العاصمة صنعاء. هذه المدينة تضرب راهنا من طرفين: الحوثيون الذين يوغلون في العنف ضد أية مظاهر تعبير سلمية في المدينة، ويكرسون الاعتقاد بانهم اجتاحوا المدينة لغرض استردادها من "اليمنيين" لا بغرض تحريرها من خصومهم العسكريين (علي محسن الاحمر). يتصرف الحوثيون بغباء وسفه وانعدام حساسية حيال عاصمة "اليمنيين"، العاصمة التي تضاعف سكانها عشر مرات خلال ال40 سنة الماضية. العاصمة هي "اليمن" مصغرا. لكن الحوثيين الجامحين وبليدي المشاعر، يظنون انهم استردوها اخيرا من "الأعداء". هذا ما أسميه بحروب الاسترداد التي يشنوها منذ عامين بدءا من "دماج"؛ والطرف الثاني هو الرئيس هادي وحلفاؤه، الذين حولوا موضوع العاصمة من فرصة إلى الضغط على الحوثيين وتضييق الخناق عليهم وطنيا لما يمثلونه من خطر على النسيج الوطني اليمن، إلى فرصة لتعزيز مقولاتهم العصبوية الغبية بشان صنعاء ومحيطها الاجتماعي. هكذا فإن وجود هادي في المدينة العريقة عدن ينبغي ان يكون وجودا اضطرارايا يمارس من خلاله السلطة الاجرائية، لا وجودا دئما حسبما يحلق بعض المتطرفين في الضفة المقابلة للحوثيين. صنعاء هي ضحية صدام الجهالات الذي يخوضه الرئيس هادي وعبدالملك الحوثي.
_ يواصل الحوثيون طنطنتهم بشأن مكافحة الإرهاب في محاولة غبية لتملق اميركا وحلفائها في العالم العربي، وانتزاع قبولا بالمكاسب التي حققوها حتى الأن، ثم تحويلها إلى حقائق سياسية. هذا ابالضبط ما يجري في موفنبيك برعاية من جمال بنعمر. الحوثيون طموحون ولديهم رغبة عارمة في كسب اعجاب الاميركان الذين يلعنونهم ليل نهار. هذه الرغبة العارمة هي من تتلاعب بهم الآن. فهم مستعدون ان يذهبون بعيدا في القرار الوطني حد المساس بالكيان الوطني اليمني. الجماعات الاسلاموية لا تتمتع بحساسية عالية حيال الكيانات الوطنية. انها جماعات فوق وطنية نظريا، وهي جماعات تحت وطنية واقعيا. وطن الطائفي هو طائفته التي قد تتعدى الكيان الوطني، لكنها لا يمكن ان تتطابق مع حدوده. من هذا المنظور فإن من المحتمل جدا أن يسارع الحوثيون الذين يهيمنون على العاصمة غلى قبول أية صيغة تمزيقية لليمن تكفل استمرار هيمنتهم على الرقعة الجغرافية التي يبسطون سيطرتهم عليها. أظن ان زاوية النظر هذه تساعد على فهم سلوك جمال بنعمر المبعوث الدولي (الاميركي البريطاني) إلى اليمن. الحوثيون يظنون انهم أذكياء، وهذا هو الحال دائما مع قيادات وجماعات من هذا النمط السائد في العالم العربي.
_ بعد عامين كاملين من ملهاة موفنبيك لم يطلع أي فاعل سياسي على الجمهور معتذرا عن سوء تقديره. لقد كان الجميع هناك يبيعون الأوهام ويوزعون الابتسامات ويلتقطون الصور التذكارية ويصنعون الإجماع. كان هادي واللقاء المشترك والحوثيون والسلفيون والحراكيون الجدد (حراك 2013) يصنعون الإجماع في تناغم مذهل. لم يثر أي خلاف حقيقي بينهم إلا في نهاية العام، وكان خلاف "الأوغاد" حول تقسيم اليمن وليس حول مصالح اليمنيين وحقوقهم. انقسم صناع الاجماع إلى جناحين: جناح يريد تقسيم اليمن إلى اقليمين وجناح يريده 6 اقاليم. وقد تبادل الجناحان الاتهامات الوضيعة بالتآمر حد التخوين. لكنهما واصلا السير في درب الاجماع إلى ان امتنع ممثل الحوثيين في لجنة صياغة الدستور عن التوقيع على المسودة النهائية. كانوا يمثلون على اليمن حتى اللحظة الأخيرة. والآن فإن جمال بنعمر يواصل عروضه في موفنبيك، بينما الدوائر الاستخباراتية الاقليمية والدولية تراجع السيناريوهات البديلة.
***
الحرب الاهلية هي صناعة محتكري التمثيل. والشاهد أن هناك جماعة تريد احتكار تمثيل "الزيود" و"الهاشميين" في اليمن (رغم استحالة ذلك)، وهناك سعي محموم، اقليمي ودولي لتخليق "ممثل شرعي ووحيد" للجنوبيين. وهناك طامحون لاحتكار تمثيل الاقاليم الافتراضية التي جعل منها هادي واعوانه فراديس يبشرون اليمنيين بقرب تنزلها على "الأرض المحرمة".
هناك كل هؤلاء المتحاذقين.
وهناك الغائب الحاضر الذي يستعد لاجتياحهم جميعا. الغائب الذي يلح عبدالملك الحوثي على طلبه: "داعش" اليمني.
***
استنقاذ اليمن يبدا من رفض الاحتكارات.
اليمنيون هم يمنيون قبل أن يكونوا جماعات أو طوائف أو تيارات أو ميليشيات.
من صعدة إلى سقطرى، هناك يمنيون يرفضون التعريفات الحصرية السائدة راهنا، والتي يلوكها خبراء موفنبيك لاستعجال الحروب الأهلية.

الجمعة، 13 مارس 2015

الحراكيون بين رئيسين شرعيين ... "الآباء المؤسسون" يلتقون في أبوظبي في مبارزة "أرذل العمر" من أجل "جنوب"هم!

     الحراكيون (الجنوبيون) الذين أخذوا قضيتهم إلى دهاليز فك الأرتباط والتحرير والاستقلال، هم في مأزق كبير أيضا.
فك الارتباط، كما الفدرالية، أيديولوجيا في اليمن.
     وزعماء الحراك الجنوبي في الداخل والخارج، هم "الآباء الموسسون" كليو القدرة. لا يشيخون أبدا، تماما كما صالح وعلي محسن والإرياني وهادي... وحتى نهاية القائمة الذهبية اليمنية (التي تضم أولئك الذين احتفلوا قبل عامين باليوبيل الذهبي لاحترافهم النضال والسياسة).
     هم كما الرئيس السابق صالح الذي لا يتصور "يمن" بدونه، لا يتخيلون "جنوب" بدونهم. صاغوا الجنوب على صورهم. وهم الآن يخوضون معارك دونكيشوتية عليه.
لا يستحون.
      منذ 50 عاما وأكثر وهم في المنصات. يتشبثون بالميكروفونات. ويدفعون بالشباب الطيبين إلى الساحات من اجل تجديد أمجادهم.
تأملوا في وجوههم المتضغنة.
       استخوذوا على السلطة ولم يخرجوا منها إلا في حروب أهلية أو انقلابات دموية. ومن لم يحكم حمل في جوانحه حلم السلطة حتى على شبر من الأرض (هل تتذكرون السلطة التي اعلنها البيض في مايو 1994؟)
أنانيون، واستحواذيون، وهم النسخة الجنوبية من صالح وعلي محسن. لذلك يظهرون جميعا على المنصات في الجبهات اليمنية المتعددة.
يناضلون من أجل "جنوب"هم. لا جنوب اليمنيين او حتى "اليمن الجنوبي".
لذلك هم يناضلون ضد بعضهم البعض.
يتنازعون على "الجنوب" الذي كان قبل 1990. وعلى "الجنوب" الذي كان قبل 1967.
لا يتصورونه من غيرهم.
هم الجنوب والجنوب هم.
وسيحلقون بعيدا من أجل استرداده، حتى لو لم يعد الجنوب جنوبا والشمال شمالا.
الانعزالية ليست نزعة بل بشر من شاكلة "القادة التاريخيين" الذين يهرولون من مطار إلى آخر طمعا في رضا ملك أو مرشد يعيد لهم عرش "الجنوب" الذي تهاوى بفعل حماقاتهم.
***
في القضية الجنوبية، هناك حرب مستعرة على احتكار التمثيل. وهذه الحرب تشمل أساسا أبطال الاستقلال الأول من مناضلي الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني. ويظهر في هامش الصراع منافسون مهمشون.
هناك اجماعات تستلفت الأنتباه في اصطفافات الحراكيين. فرجال الجبهة القومية ما زالوا على عهدهم. لا يرون في الجنوب جنوبيين غيرهم. ومن هذه الزاوية يمكن ببساطة ان يتكتلوا ضدا على المهمشين الأبديين.
الجنوب هو "الجبهة القومية" التي آلت إلى حزب اشتراكي ورئيس شرعي وفخامة الرئيس وزعيم وقائد! هؤلاء عندما يتحدثون عن جنوب فإنهم يقصدون السلطة التي اطاحت بكل ما عداهم. وهم على الرغم من حروبهم الداخلية، موحدون ضد خضومهم الخارجيين (الرابطة وجبهة التحرير والتنظيم الشعبي... الخ). ومن الظريف أن التصالح والتسامح عند هؤلاء ينحصر_ أو أقله يتجه_ إلى احداث 13 يناير. والتصالج والتسامح هنا يعني أن ترفع صور زعماء هذه الاحداث متجاورة في الساحات، والاعتذارات اللفظية المغمسة بالنفاق والتعالي على الضحايا. لم يعتذر أحد عن جريمة. ولم يضغط أحد من اجل الكشف عن مصائر المختفين قسريا، ولم يقل أحد منهم أين هي المقابر الجماعية لضحايا الأحداث.
عدا احداث يناير التي تعني "الآباء المؤسسين" والتابعين الذين يتوزعون على الحزب الاشتراكي والجماعات الحراكية الهلامية، لا يحضر ضحايا آخرون إلا في باب "الشفاهة" محدودة التداول، في الصالونات والمجالس الخاصة.
***
ماذا لد هؤلاء الذين سيلتقون في الإمارات العربية المتحدة من خيارات؟
إلى أن تتنزل معجزة سماوية أو مكرمة ملكية او أميرية أو مشيخية خليجية، فإن الخيارات محصورة في اثنين.
أمامهم خياران:
إما الانتظام في جبهة "الرئيس الشرعي" الذي كان نائبا للرئيس صالح، وإما الانتظام في جبهة "الرئيس الشرعي" الذي كان نائبا للرئيس صالح!
إما الرئيس الشرعي الذي يقيم، راهنا، في عدن، ويعاديه الحوثيون، حلفاء صالح.
وإما الرئيس الشرعي الذي كان يقيم في الضاحية الجنوبية، ويحالفه الحوثيون، حلفاء صالح!
***
بكلمة أخرى: إما الرياض التي دعمت الرئيس الشرعي في حرب 1994، وتدعم الرئيس الشرعي منذ 2012. وأما طهران التي دعمت الرئيس الشرعي الذي كان يقيم في الضاحية، وتعادي الرئيس الشرعي الذي يقيم في عدن.
***
ليس لي أن أنصح الحراكيين المشرذمين الذين أخذوا قضيتهم إلى خارج "المواطنة" في 2009، ويصرون على نهجهم الانعزالي المدمر، على المضي قدما في خط "الاحتمال" غير الممكن في "يمن" محكوم بالبقاء موحدا او بالتشظي، بدولة مواطنين أو بدويلات داعش والغبراء!
اليمن تغير كثيرا لكن المعمرين من قادته السابقين لا يتغيرون أبدا. لكانهم أولئك الفتية الذين طلبوا الاستقلال في غمار الستينات مدعومين من مصر الناصرية ومن حركات التحرر الوطني والمعكسر الاشتراكي.
لم تتغير الا قسماتهم وملامخهم التي تكاد تختفي وراء التضغنات والشحوم المتهدلة.
يقاتلون التاريخ والزمن والتجاعيد في مشتشفيات الجراحة التجميلية.
يقاتلون بالبسطاء والطيبين من اليمنيين المحبطين والمهمشين والمظلومين من قبل السلطات المتعاقبة في الداخل.
يقاتلون بالفقراء، هؤلاء الأثرياء الذين يؤجلون، مرة تلو أخرى، كتابة أو نشر مذكراتهم، لأنهم لا يشيخون أبدا كما تفيد صبغات الشعر، ولأنهم يوفرون لأبناء شعبهم مفاجاة جديدة!
ليس لأحد أن يدعي الحكمة في "يمن" محكوم بالمجانين، لكن هناك قولا مأثورا جديرا باستدعائه في هذا المقام، وهو "التكرار أم التعليم".

السبت، 7 مارس 2015

عن بديهيات الحوار و"الفدرالية المستحيلة" و"الدكاترة فرانكشتاين" الذين اعتزلوا السياسة بينما اليمن يغرق في العنف والفوضى!

       سقوط الدولة والمؤسسات في العاصمة صنعاء، ثم سقوط عواصم محافظات يمنية في قبضة اللجان الشعبية والأنصار من كل الأصناف، بدأ رسميا في يناير 2014 عندما فوض "شعب موفنبيك"* الرئيس الانتقالي عبدربه منصور هادي بتشكيل لجنة لتقسيم اليمن إلى اقليمين أو 6 أقاليم أو أي عدد بين ال2 وال6.
    
      كانوا يفوضون رئيسا انتقاليا بمهمة من اخطر المهام في تاريخ اليمن: تفكيك دولة بسيطة وتحويلها الى دولة مركبة (أي بتنفيذ مهمة خارج المنطق والسياسة والطبيعة). صار الرئيس الانتقالي هو رجل المستحيل. وهو سارع الى تشكيل لجنة وزارها في اليوم التالي وابلغ اعضاءها بسرعة الانتهاء من تقسيم اليمن إلى 6 اقاليم. (كان قد اتفق مع الاصلاح والناصري وقيادات في المؤتمر الشعبي على تقسيم سداسي يمنع انفصال الجنوب ويعزل "المركز المقدس" في معزل عنصري اختاروا له اسم شديد العذوبة هو "آزال"، وآزال هو الاسم القديم لمدينة صنعاء التاريخية).

       كان الرئيس هادي "رجل المستحيل" وقادة الاحزاب القومية واليسارية والاسلامية هم الصحابة الاولين، وشعب موفنبيك هم "التابعون"! وشباب ثورة فبراير وجماعات المجتمعين المدني والحقوقي هم المؤلفة فلوبهم الذين تم استرضاؤهم في موفنبيك، وإغراقهم بمعسول الكلمات والامتيازات المؤقتة في دولة فندق ال5 نجوم ودولة ما بعد الفندق.
       كان "رجل المستحيل" مدعوما من المبعوث الدولي وسفراء غربيين، قد تمكن من إقناع محمد علي أحمد بتشكيل مكون حراكي جديد باسم "مؤتمر شعب الجنوب"، يتيح لنخبة صنعاء وسفراء الدول الراعية القول إن الحراك الجنوبي صار ممثلا في مؤتمر موفنبيك. [في وقت لاحق من عام الحوار الوطني انسحب رئيس مؤتمر شعب الجنوب (أحمد فريد بن صريمة) من هيئة رئاسة المؤتمر، ثم في الصيف القائظ قرر محمد علي أحمد الانسحاب من موفنبيك لكن الرئيس هادي وبنعمر وقادة المشترك كانوا قد تمكنوا من شق هذا المكون ذي التمثيل المحدود في الجنوب، وهكذا استمرت البقية الباقية من "الحراك" الموفنبيكي في جبسات الحوار).
بينما كانت "المهزلة اليمنية" تواصل عروضها في صالات الفندق، كان الحوثيون يشقون طريقهم إلى العاصمة مستفيدين من كل التناقضات بين أطراف المبادرة الخليجية. فهم استفادوا من الصراع بين صالح وهادي (الرئيسين السابق والحالي)، ثم بين المبشرين بفدرالية الاقليمين والمبشرين بفدرالية ال6، ثم بين الرئيس هادي ومستشاره (غير الشقيق!) علي محسن الأحمر. وهم الآن أسياد العاصمة يتلاعبون بالمبشرين جميعا ويعلمونهم درسا في السياسة والقوة!

       منذ عامين والرئيس هادي يتصرف كرئيس خارج الواقع. كرئيس لشعب موفنبيك، ولدولة "اليمن الاتحادي". كان مؤدى هذا السلوك أن تسقط "الجمهورية اليمنية" في مستنقع الحروب الاهلية والطائفية، وأن تنشأ دويلات الأنصار (أنصار الله وأنصار الشريعية وأنصار الثورة وأنصار الشرعية). لكن الدولة المبشر بها (دولة اليمن الفدرالي) ظلت مثل رئيسها، دولة مستحيلة.
الفدرالية (اللامركزية السياسية لا المركزية الإدارية، التقسيم السياسي لا الإداري التنموي) مستحيلة في اليمن. لا يمكن لها ان تتحقق في واقع اليمنيين شديد التعقيد والتداخل و"الانفجار". لا يمكن تصور كيانات مستقرة ومتعاونة تتخلق من هذا "اليمن" المعذب والطافح بالجماعات العصبوية، الطائفية، التي تشتغل على تدمير النسيج الاجتماعي واشاعة الكراهية لتصعد على انقاض اليمن.
***
        الفدراليات تنشأ من اتحاد دول، غالبا. في حالات نادرة تنشأ من احشاء دولة بسيطة تضم قوميات واديان واثنيات متعددة.
تنشأ من وحدويين يريدون وطنا اكبر ودولة مهابة وهوية وطنية جامعة، كما الامريكيين والالمان (والإمارات العربية المتحدة في العالم العربي). لكن في اليمن تغيب الايجابية كليا وتبهت الهوية الوطنية ويتم التبشير بأقاليم موهومة (كما في وسائل الإعلام اليمنية الموالية لهادي والمشترك) ضدا على الهوية الجامعة والآمال المشتركة لليمنيين. ثم انها تستجيب استجابة مرضية لمخاطر التفكك. فبدلا من الذهاب فورا إلى الجنوب لمعالجة المظالم ورد الاعتبار للوحدة اليمنية التي اهينت في حرب 94، قرر "الدكاترة فرانكشتاين" تخليق كيان حي من جسد "المريض اليماني" الذي لما يمت بعد. وها هو "المسخ" اليمني يفتك باليمنيين في كل مكان. (في الرواية الأصلية يتصدى الدكتور فرانكشتاين للمسخ لإنقاذ البلده من شروره، لكن في اليمن يقرر الدكاترة فرانكشتاين _ بداعي المرض او بزعم التقدم في العمر_ الاعتزال، اعتزال صناعة الخزعبلات، تاركين شعبهم يغرق في القوضى)
أعرف ان الذين بشروا بالفدرالية كانوا في اغلبهم يجهلونها، لا يدركون ماهيتها، ولا يمحصون في امكان تحققها، ولا يتحسبون لمضاعفات إعلانها كحل للأزمة الوطنية وبالتالي لمخاطر تطبيقها بالارتجال الغشوم والجهول، على السلم الأهلي. [في مارس 2013 أدرت في فندق البستان جنوب العاصمة حلقة نقاش ضمن فعاليات "برنامج دعم الحوار الوطني في اليمن"، وشارك في الحلقة ممثلو الأحزاب والجماعات السياسية اليمنية. وقد هالني انه لا يوجد حزب واحد لديه رؤية مفصلة عن اليمن الفدرالي الذي يطالبون به. الخفة والجهل كانتا تهيمنان في صالة مكتظة بالمنظرين الحزبيين الذين يبشرون شعبهم بحلول سحرية لا يعرفون تركيبتها ولا سياقها ولا يبالون لتأثيراتها.
       أعرف الآن ان "الفدرالييين" _ بدءا من الرئيس هادي ومستشاريه بمن فيهم "الدكاترة فرانكشتاين" الثلاثة المعتزلون_ لا يقرؤون ما جرى في العام الماضي (عام ما بعد الحوار الذي سيبني اليمن الجديد) بموضوعية ويراجعون خياراتهم المستحيلة بصرامة ونزاهة، ويمحصون في البدائل التي كانت معروضة على الدوام لكنهم تجاهلوها بل وطوحوا بها بعيدا في غمرة انغماسهم في "صناعة الأجماع" التي أخذت اليمن إلى هذه الفوضى المستدامة!
أي منهم لم يعتذر لليمنيين.
لم يصارح الطيبين بانه اخطا إذ لم يحسن تقدير عواقب الأمور.
اعتزل البعض.
وواصل الآخرون الحفر في عدن.
***
     لكن الفدراليين هم متدينون بإخلاص.
    هم الوريث البيولوجي لشموليي الماضي
     هم النسخة الجديدة من "الوحدويين الفوريين" والمبشرين اليساريين والاسلاميين في القرن ال20.
     يكفي في نظرهم أن يرددوا شعار "الفدرالية هي الحل" لتتنزل 6 فراديس (أو فردوسين) على الأرض.
     الفدرالي اليمني هو القومي العربي واليساري والاسلامي في قالب واحد. بروحية مناضل أو مجاهد أو رفيق صارم لا يساوم في المبادئ، يعتنق الشعار الجديد ثم يخرج في الناس مبشرا بالفراديس التي ستتنزل من مجرد اقرار نص في الدستور يقول ان اليمن تتركب (أو تتفكك) إلى ستة أقاليم (أو اقليمين).
        في اليمن فقط تتحول الفدرالية إلى "ايديولوجيا" والدولة إلى لعبة يمكن تفكيكها قطعا ثم يتبارى التبشيريون في الطريقة المثلى لإعادة تشكيلها مجددا.
      بيد أن الفدراليين ليسوا اليمنيين. هناك جماعات فدرالية_ ضد فدرالية في الواقع، تقيم اماراتها من دون انتظار موافقة مجلس الأمن واستفتاء شعبي أو شرعية توافقية. هناك الآن دويلات داخل الدولة وخارجها من حضرموت إلى صعدة. وهناك إمارات قيد الإنشاء تنتظر ساعة الانفجار الكبير لتعلن عن نفسها فيما يمكن اعتباره ولادة جديدة ل"يمنات" ترث اليمن المحتضر الذي نعرفه منذ عقود.
****
         نظرة سريعة على قائمة المبشرين بالفدرالية في اليمن تمكنك من معرفة "الوظيفة النفسية" لها في اليمن. فهي تحرر الأيديولوجي من "التبخيس الذاتي" الذي يكابده جراء هزيمته الكبرى في واقع يمني شديد التعقيد. وتعيده مجددا إلى هذا الواقع مسلحا بما يظنها ايديولوجيا "الفدراليه"، تستحثه ثأراته من كل اعدائه وأصدقائه.

        "الفدرالية هي الحل" هو الشعار التعويضي لشعارات الحالمين جميعا: "حتمية الحل الاشتراكي" و"حتمية الوحدة العربية" و"الإسلام هو الحل".
        توفر الفدرالية خلاصا مركبا لايديولوجيي الماضي: فهي تزودهم بالتعويض النفسي الضروري لمواجهة خساراتهم الايديولوجية الفادحة. وهي أيضا تقتص لهم من كل الذين أذلوهم في الماضي. إنها السلاح (السحري والموهوم) الذي يتحرر به نفسيا واجتماعيا.

       الفدراليون مثلهم مثل "انصار الشريعة" و "أنصار الله".
      لا يقبلون أي تشكيك بمعتقداتهم الدينية.
       يرفضون الدخول في أي نقاش في التفاصيل. فالفدرالية تؤخذ كلها.
        يرفضون أية تدرجية بدءا من حكم محلي واسع الصلاحيات (كتجريب واختبار وتدريب)، فالتغيير الشامل والثورجي والفوري هو الناجع بدلا من التدرجية التي تتيح لأعداء الفدرالية ( = الثورة المضادة او أعداء الثورة) الوقت والامكانات للانقلاب على هذا "المنجز التاريخي".
        الفدراليون استعلائيون _ عن جهل وكِبْر مرضي _ كما ايديولوجيي وثورجيي العقود الماضية. إما أن يقبل اليمنيون بدينهم، جملة، وإما أنهم رجعيون ومتأخرون حضاريا، ويوالون "المركز المقدس" أو ينتمون إلى محافظاته. والمركز المقدس، هنا، مفهوم صلصالي يتشكل وفق هوى المتحدث أو المتشدق بنظرية الانفكاك عنه. قد يكون الرئيس السباق صالح وجماعة مقربيه وأقربائه الذين كانوا يشاركون سلطة القرار خلال حقبة حكمه. أو يتجاوز دوائر القرار في العاصمة ليشمل قبيلة حاشد ومراكز النفوذ القبلية والعسكرية في المناطق القريبة من العاصمة. وقد ينفتح على مناطق جغرافية بأكملها في ما يشبه أخذ المظلومين بجريرة الظالمين.
***
        الفدرالية، مرة عاشرة أقول، هي الدين الجديد للنخبة السياسية اليمنية الفاسدة. لنخب الخمسينات والستينات والسبعينات التي شاخت وهرمت لكنها لا تريد ان تغادر منصة العرض.
         وهي، بالتالي، الحشيش الذي تروجه هذه النخبة ل"جماهير" الشعب اليمني العظيم لتصطبر على البلاء المقيم في اليمن في انتظار الجنة التي وعد بها "أهل موفنبيك" اليمنيين المؤمنين!
***
       بوسع أي كان الادعاء بأن مشكلة اليمنيين بدأت في 19 يناير 2015 عندما أكمل الحوثيون سيطرتهم على العاصمة صنعاء، وصفوا "المربعات الأمنية" للرئيس هادي. بالوسع العودة إلى 21 سبتمبر الذي أفرز اتفاق سلم وشراكه وقع عليه الأطراف جميعا. يمكن العودة إلى بناير 2014 عندما فرض الرئيس هادي وحلفاؤه في المشترك صيغة قرار يفوضه تقسيم اليمن سياسيا إلى عدد من الأقاليم (كان هادي ومستشاروه باستثناء الدكتور ياسين سعيد نعمان المتشبث بتقسيم اليمن إلى اقليمين، قد قرروا سلفا التقسيم إلى 6 اقاليم). يمكن العودة إلى الوثيقة المقترحة من جمال بنعمر في خريف 2013 والتي تقوض "الكيان الوطني" لليمنيين وتؤسس لفتنة طائفية في اليمن من خلال التمييز تشريعيا في حقوق المواطنة. يمكن العودة إلى مطلع 2013 عندما قرر الرئيس ومستشاروه وجمال بنعمر وسفراء الدول الراعية (والحوثيون معهم) المخاطرة بالسلم الأهلي عبر أخذ "اليمن" إلى طاولة حوار حول الدولة والنظام السياسي والنظام الانتخابي والعدالة الانتقالية ومشكلة صعدة والقضية الجنوبية والجيش والأمن والسلاح الميليشوي و"زواج الصغيرات" وشحة المياه وكل ما يخطر على بال خبراء الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والمنظمات التابعة لهما. اتخذوا قرارهم بعقد المؤتمر قبل أية تهيئة للحوار تتصل بالأوضاع في صعدة والجنوب. يومها تشاركوا جميعا في "صناعة إجماع" ضدا على عضوي اللجنة التحضيرية للحوار رضية المتوكل وماجد المذحجي اللذين استقالا احتجاجا على هذا القرار الأخرق. كانت صناعة الإجماع تستهدف حرمان المظلومين من حقوقهم وتحويل القضية الجنوبية وقضية صعدة إلى ورقتين تفاوضيتين على الطاولة (أو تحت الطاولة) وابتزاز اليمنيين العاديين من أجل القبول بصيغة مقررة سلفا ( في الخطوط الرئيسية على الأقل) للتمديد لسلطة الرئيس هادي وحكومة الوفاق، ولتقسيم اليمن سياسيا بذريعة أن التقسيم هو الحل الوحيد الذي يقبل به الجنوبيون. وقد جرى تمرير الفدرالية في سياق تآمري كهذا.

         يمكن العودة إلى نقطة أقدم في الزمان لفهم ما جرى. إلى التقاسم الاجرامي للوظيفة العامة ولمؤسستي الجيش والأمن من قبل الأطراف السياسية الموقعة على المبادرة الخليجية. إلى انشقاق علي محسن الأحمر في 21 مارس 2011 وتحالفه مع المشترك من أجل تحويل الثورة الشعبية إلى أزمة سياسية بين المؤتمر الشعبي واللقاء المشترك. إلى انفراد الرئيس صالح في ديسمبر 2010 بتقديم مشروع تعديلات دستورية غير متفاهم عليه مع المشترك. إلى فشل الانتخابات الرئاسية في تحقيق تغيير سلمي للسلطة. إلى حرب 1994 التي شكلت ضربة قاصمة للديمقراطية وصدعا عظيما في الوحدة... (يمكن لأي كان السفر في الماضي إلى ما هو أبعد؛ عقود، قرون، ألفية، الفيتين، إلى هيمنة مملكة حمير على اليمن القديم وتقويضها مملكة حضرموت، او إلى تحالف سبأ وحضرموت لإنهاء مملكة أوسان!)
       بوسع أي كان الإفلات عبر رجعة في الزمن حسبما يعن له. لكن الشاهد أن المسار الكارثي بدا عندما تنازل الاشتراكي والناصري والحوثيون والحراكيون الممثلون في اللجنة التحضيرية للحوار الوطني، عن التهيئة للحوار طيق "نقاط الحد الأدنى" التي اشتهرت اعلاميا ب"النقاط ال20".
       اسقطوا البديهيات من اجل الدين الجديد الذي اعتنقوه.
      لقد قدموا الضحايا قربانا على مذبح الفدرالية.
     ارادوا تفكيك اليمن بأي ثمن حتى لو كان اطنان من دماء الأبرياء.
     إذ كيف يمكن تفكيك دولة دون "كراهية" و"احتقانات" و"جروح مفتوحة" و"ملفات ساخنة" وحرائق يتم تغذيتها بالوقود دوريا؟
      كيف؟
***
        اسقطوا البديهيات فسقطت الدولة، وتغولت الجماعات المسلحة.
        والآن يتحاورون مجددا، ويراوحون حول مخرجات حوار محكوم عليه بالفشل منذ ما قبل انطلاقه.
        يفعلون كل هذا ويزدادون تمسكا بالفدرالية بما هي "مكسب تاريخي"!
        هؤلاء هم أصل البلاء وسبب الكارثة.
_______________
________________
*في التعليق الاول رابط لمقال عن لحظة التفويض لهادي في 14 يناير 2014.
   http://almasdaronline.com/article/53679

https://www.facebook.com/sami.ghaleb/posts/10153284261555312?fref=nf
·