الخميس، 16 يوليو 2015

إن كنت العيد فأين العيد اليوم المبتكر الغريد؟


      الحرب سحقت أغلبية اليمنيين، وانتزعت أحبة من كل الأعمار من آلاف الأسر اليمنية، من عدن إلى صعدة.
     الحاربون والمحروبون _ باستعارة تعبيرات البردوني_ يخوضون مباراتهم الصفرية الحقيرة فوق أرضية مغطاة بأجساد اليمنيين ومغمسة بدمائهم. يخوضون الحرب بالناس العاديين وبأبنائهم وبسلامهم فيما هم من الكهوف والمخابئ والقصور الملكية يتابعون إطلاق الكلمات النارية والتوكيد على الوعود الكبرى وإرسال اليمنيين إلى مخيمات النزوح واللجوء والشباب المعدمين، المجاهدين والأبطال، إلى المقابر.
        هذا عيد جاء متثاقلا حياء من أسر الشهداء والجرحى ومن النازحين واللاجئيين، "ثقيلا" على الفقراء والمعدمين الذين تعاظم عددهم خلال 3 أشهر من حرب الاجتياحات الداخلية، الاحتلالية الاستحلالية، وحرب الغارات الجوية والحصار المفروض على ديار "اليمانية" من قبل القبائل "القيسية" في واسطة العقد الثاني من القرن الأول في الألفية الثالثة.
        غزوات المحليين (البغاة والطغاة) وغارات الخارجيين (عربا وعجم) أرتدت باليمن قرونا إلى الوراء، في حرب جاهلية كريهة وقودها أوهام وخرافات وعصبيات، حرب قوضت حياة اليمنيين وسلامهم ووحدتهم، ودهست أحلامهم، الكبيرة والصغيرة، العامة والشخصية، وتطلعاتهم وأمانيهم، وجعلت اليمني يقتل اليمني باسم الله وباسم القرآن وباسم "السيادة"، سيادة القائد لا سيادة الوطن المزعومة.
        اليمنيون يتحاملون على أنفسهم ليلة عيد مصبوغ بحمرة الدماء، حمرة دماء اليمنيين التي ما عادت لها حرمة في زمن الماضويين؛ ظالمين وظلاميين.
يتحاملون على أنفسهم ويتبادلون التهاني والتبريكات كما فعلوا على الدوام منذ انغرسوا على هذه الأرض العزيزة على قلوبهم.
      كل عام واليمنيون في خير وسلام ووئام. 


  ****
إن كنت العيد فأين العيد
اليوم المبتكر الغريد؟
أيشيخ العيد؟ وكيف صبا؟
إن كان يشيخ فكيف يبيد؟
كل الأعياد أتت يوماً
ومضت وأتى عنها التعييد
. البردوني

***

الأربعاء، 24 يونيو 2015

_ في دولة "الميليشيا" أو "حديقة 21 سبتمبر 2014"!

_ سوه المزيد من الصحف"الرئيس" الثوري اصدر توجيهات بالإفراج عن الزميل جلال الشرعبي فاعتقل مرؤوسيين
_ في دولة "الميليشيا" أو "حديقة 21 سبتمبر 2014"!
_______________________________________
يتبادل الحوثيون وجهاز الأمن القومي توزيع المسؤوليات بخصوص "المختفين قسريا"، صحفيين وسياسيين وناشطين. وقد باءت بالفشل أية مبادرات لتحرير هؤلاء اليمنيين من قبضة الجماعة ومن "البقية الباقية" من أذرع أجهزة المخابرات في اليمن.
حتى توجيهات رئيس اللجنة الثورية العليا (السلطة العليا طبق الاعلان الدستوري المنفرد للحوثيين) التي أصدرها الى جهاز الأمن القومي بشأن الزميل العزيز جلال الشرعبي لم يكترث إليها أحد. بل إن مذكرة "الرئيس" الافتراضي في دولة الحوثيين، صارت محض دليل على ان الإنجاز الأوحد للحوثيين حتى الآن، هو أنهم قوضوا "الدولة" ودفعوا باتجاه الاقتتال الأهلي، وجعلوا "الناس العاديين"، وغير العاديين أحيانا، تحت رحمة "الأبوات" الذين يمسكون بالسلطة على الأرض لكنهم ينفرون، أشد النفور، من مقرات مؤسساتها وأجهزتها، وعلى المضطرين اكتشاف وسيلة للوصول إلى مخابئهم السرية من أجل "قضاء حاجة" أو استرداد حق. وفي حالة كهذه يظهر وسطاء من كل صنف وشاكلة، لابتزاز البسطاء واستثمار معاناتهم.
في حالة "المختفين قسريا"، سياسيين وصحفيين، تتجلى "الكارثة" في هيئة "رئيس" افتراضي ثوري يصدر توجيهات، ورجال أمن يعتبرون توجيهاته ضربا من "الاستعراض" التعويضي لرئيس لا يعترف به أحد في اليمن والمنطقة والعالم بمن في ذلك مرؤوسوه الافتراضيون.
اليمن في محنة مركبة: فهناك الحرب الداخلية يشنها تحالف "الجلاد" و"الضحية" ضد الضحايا الأخرين. وهناك الحرب من الخارج لتعزيز شرعية "رئيس" يفتقر إلى ما هو أوسع من الشرعية. وهناك التجريف الكارثي لأجهزة ومؤسسات الدولة اليمنية الذي يجعل الشعب اليمني تحت رحمة ميليشيات تنهش، كل من موقعها، مواطنية اليمنيين وكرامتهم الوطنية، وتنزع عنهم أية حماية يوفرها القانون لصالح تسويد قوانينها وإحلال "انظمتها الخاصة" محل القضاء والأمن والمرافق الخدمية.
قبل أيام كان عديدون، بينهم "الرئيس" المنصب بإعلان الحوثيين، يبذلون الجهد لتحرير الزميل جلال الشرعبي من قبضة خاطفيه ( امنيين وميليشياويين). لكن في دولة "اللا دولة"، وفي ظل سلطة "الثورة" الحوثية، تتحول التوجيهات بالإفراج طبقا للقانون النافذ، إلى توجيهات مضادة باختطاف صحفيين جدد، واقتحام ونهب مؤسسات صحفية خاصة كما حصل قبل يومين لإذاعة وصحيفة "الناس" التي أسسها الزميل حميد شحرة، رحمه الله، وهي ملك أسرته بقدر ما هي ملك العاملين في المؤسسة.

مأساة اليمنيين تتفاقم، وخيباتهم تكثر، وأحزانهم تتعاظم.
لكن الحوثيين مستمرون في غيهم وفي تعميم "فوضاهم" وتكريس "لا دولتهم". مستمرون في إيذاء اليمنيين وإذلالهم وإذاقتهم "نعيم" ثورتهم التي بدأت بوضع اليد على "جديقة 21 مارس" (مقر الفرقة الأولى مدرع سابقا الذي رفض سلفهم علي محسن الأحمر تسليمه للدولة)، وانتهت في اليوم نفسه هناك! حيث تحولت الفرقة بكسر الفاء إلى "فُرقة" كسرت ظهور اليمنيين، وبدلا من أن يصير مقر الفرقة "حديقة" ثورة أو حتى "حديقة 21 مارس" طبق القرار الرئاسي، غيرت الجماعة "الثورية" اسمة إلى "جديقة 21 سبتمبر 2014" وبات الآن أحد معالم "حديقة الحيوانات" التي صممها جورج أورويل في رواية عابرة لحدود الزمان ومتجاوزة للفروق بين الشموليات، علمانية ودينية.
***
الحوثيون غاضبون من ناقديهم.
الحوثيون ناقمون لأن "خيريتهم" و"طهرانية" قائدهم، الزاهد، المعتزل في "الشمال القصي"، تعميهم عن التقاط "الخراب العميم" الذي يلف اليمن... لأن ثورتهم الخاصة تنير قلوب مجاهديهم المفعمين بالإيمان بقدر ما تغرق ب"الظلام" وب"الظلاميين" حواضر "الجمهورية" وأريافها وبواديها.
الحوثيون الغاضبون والناقمون يتخبطون، و"الشخص" الذي نصبوه رئيسا باسم الثورة، يصدر التوجيهات، باسم "اللجنة الثورية العليا"، التي لا يكترث لها أحد من رجال الأجهزة الأمينة المخصخصة ولا ينفذها أحد من منتسبي "النظام الخاص" للجماعة. يصدر التوجيهات، مرة أخرى، ثم يمدِد "ولا يبالي" ملتزما "نشيد" جماعته:"بالعشر ما نبالي... ولا كل الأعادي.. مع ربي جهادي".

الاثنين، 15 يونيو 2015

في استفظاع الإذلال والتشهير اللذين استهدفا عضو الهيئة العليا في "دولة" الميليشيا! الهرمان الاجتماعي والثوري لا يلتقيان في شطحات الحوثيين

        الإساءة التي لحقت بمحمد القيرعي عضو اللجنة الثورية العليا (التي اعلنها أنصار الله) تعيد طرح مسألة التناقض بين "الدولة" و"الجماعة"، بين أدوات الإكراه المادي للدولة، الأمن والمخابرات والشرطة والجيش (مهما تباينت الآراء والمواقف بشأنها) بما هي مخرج فكرة اختكار السلطة للمارسة القهرية طبق الدستور والقانون، وبين الميليشيا التي هي أداة الإخضاع الفئوية ضد فئات المجتمع الأخرى.
       
       الحق انني علمت بواقعة احتجاز الأستاذ محمد القيرعي وإذلاله قبل نحو أسبوع. ولم أجد ما يستدعي الكتابة بالتعليق أو إبداء التضامن بخاصة وأن الرجل يشغل _ نظريا_ موقعا رفيعا في السلطة "الثورية" إذ إنه عضو "اللجنة الثورية العليا" التي انبثقت من الإعلان الدستوري لتمارس السلطة الاجرائية في الدولة مؤقتا ريثما تنتهي من تشكيل المجلس الوطني (البرلمان) والمجلس الرئاسي (السلطة التنفيذية).

        قبل أيام علمت أن قياديين رفيعين في الجماعة التي شكلت اللجنة أبدوا أمام زملاء تذمرا من فكرة استمرار هذه اللجنة (وأقله نوعية اعضائها) في ظل تنامي الضغط الدولي على الأطراف المتصارعة في اليمن من أجل تسوية سياسية ارتكازا على القرار الدولي 2216. (وقد ربطت تلقائيا بين واقعة احتجاز القيرعي وبين تعبيرات الاستياء الحوثية، لكن لم يكن هناك ما يستدعي التعليق على واقعة تتصل بصميم الكرامة الانسانية لمواطن يمني مهما يكن مركزه ومنصبه).

        مساء أمس ارسل لي صديق تسجيلا بالصورة والصوت لجانب من واقعة الاحتجاز. وصباح اليوم الاثنين تصفحت التسجيل وهالني ما رأيت من انتهاك سافر لكرامة انسان يمني من قبل مجهولين يقولون إنهم "انصار الله".

        يصعب الاقتراب من بعض الانتهاكات بالتغطية والتعليق عندما يكون الضحية عاريا من أية حماية حتى من غطائه الثوري. والموجع أن التسجيل يظهر الصدع الكبير (كما هو الأمر غالبا) بين دعاوى الثورة وثقالات الواقع. بين الهرم الثوري المقلوب وبين الهرم الاجتماعي الراسخ رسوخ جبل نقم شرقي عاصمة اليمن الكبير!
       
         في التسجيل يظهر القيرعي المعنف عديم حيلة في مواجهة رجال، غير معينين دستوريا وقانونيا، يعنفونه وينهالون عليه بالأسئلة والإهانات. لقد اضطر إلى استخدام الترس "الثوري" في محاولته لكبح جماحهم وصد ثورتهم، هم. وقد اتضح له أن ترسه من "قش" بينما اسلحتهم من نار وحديد.

        ليس هذا مقام التشفي من أحد.
        ليست هذه الواقعة المناسبة لنقد خيارات القيرعي وتعييب قرار تعيينه من قبل سلطة الأمر الواقع الحوثية التي لا تمت إلى الواقعية بصلة.
         هذا مقام استهجان الفظاعات التي تمارسها الجماعة ضد الفرد، والميليشيا ضد الحق، والايديولوجيا ضد الكرامة الانسانية.

        لم يكن أحد ليولي كبير اهتمام، واقعة تحدث كثيرا في بلد يشيع فيه القتل بقدر ما تشيع فيه هيئات الفضيلة. لكن الحوثيين نشروا، مرة أخرى، "فيديو" يظهر فيه انسان يمني مهانا ومعنفا من قبل مسلحين عديمي الصفة وتعصف بهم النقمة جراء سلوك رجل اعترضوا طريقة في نقطة تفتيش في العاصمة المستباحة، برا وجوا!
 
          يستدعي الفيديو المسرب عن رجل يشغل موقعا ثوريا رفيعا، طرح مسألة "السوية": ما هو العائد المتحصل للجماعة من تسريب فيديوهات مهينة كهذه؟

       يمكن صوغ المسألة مجددا على هيئة أسئلة كهذه:
_ ما مركزية الفضيلة في مشروع جماعة اسلاموية، كأنصار الله، لإحكام السيطرة على المجتمع اليمني؟
_ ثم هل هناك فروق بين حراس الفضيلة السلفيين وحراسها الحوثيين؟
_ هل توجد فروق في التعاطي مع الضحايا بحسب مواقعهم في التراتبية الاجتماعية الراسخة لا بحسب مواقعهم في التراتبية الثورية (المزعومة)؟
_ ماذا سيفعل قائد جماعة أنصار الله عبدالملك الحوثي الذي يتسنم سدة الهرم الاجتماعي حيال رفيق الثورة الذي صعد في سياق سياسي واجتماعي متوتر، من قاع الهرم الاجتماعي إلى صدارة الواجهة الثورية للحوثيين؟
_ ماذا كسب المهمشون اليمنيون (المكتوب عليهم بالولادة واللون، ملازمة قاع الهرم الاجتماعي) من شطحة ثورية دفعت بأحد منهم إلى راس الهرم الثوري ثم من هناك جرى إلقائه أرضا في ما يشبه العقوبات الوحشية التي كانت تمارسها الجماعات القبلية في فجر التاريخ البشري؟
_ كيف سيأمن اليمنيون على كرامتهم في ظل "طهرانية" الجماعة التي لا تكتفي بإذلال المحالفين في المعتقلات السرية بل تتفاخر بإذلالهم عبر توزيع تسجيلات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، في ما يشبه الإعدام المعنوي؟
****
     وأخيرا:
هل في وسع الميليشيا أن تنتج ثورة حقا بلّك أن تصير دولة؟

الأحد، 14 يونيو 2015

تمثيل "الحراك" في جنيف مؤشر على رداءة المتحاورين وانحطاطهم القيمي!


          من حسن باعوم وعلي سالم البيض وعلي ناصر محمد وحيدر ابوبكر العطاس ومحمد علي أحمد (قيادات الخارج) وهيئات الضباط الجنوبيين المسرحين قسريا (ناصر النوبة وعلي السعدي والبيشي والمعطري وعيدروس حقيس وزملائهم الذين فجروا الاحتجاجات في الجنوب في 2007) جرى اختزال "الحراك الجنوبي" في مؤتمر الحوار الوطني إلى مكون جديد برئاسة أحمد الصريمة ونيابة محمد علي احمد. حظي هذا المكون الطارئ بدعم وتأييد الرئيس هادي وكل "الرجال المحترمين" في صنعاء، وبمباركة جمال بنعمر (المبعوث الأممي السابق) وكل السفراء الرعاة للمبادرة الخليجية والعملية الانتقالية). ظنوا ان اختراع مكون جديد يقبل الانصمام إلى "السيرك الصنعائي" سيوفر حلا للقضية الجنوبية في موفنبيك أو _ على الأقل_ غطاء جنوبيا لأي حل يتم تمريره في الحوار.
            بعد شهر غادر رئيس "مؤتمر شعب الجنوب" أحمد الصريمة الفندق حيث "العروض البهلوانية" لسلطة الغدر باليمنيين ومن بارك انقلابها على الثورة والقضية الجنوبية. انسحب باكرا لأسباب لم يطلع عليها اليمنيون، لكن الذين اغتاظوا من انسحابه روجوا في المجالس والمقايل لشائعة تقول إن السلطان قابوس ضغط على الرجل (الذي يحمل الجنسيو العمانية) لمغادرة اليمن بناء على طلب من الرئيس هادي.
          بعد 4 اشهر من عروض موفنبيك، كان محمد علي أحمد الذي صار بانسحاب الصريمة، رئيسا للمكون الحراكي المشارك في الحوار الوطني، يشتبك علنا مع الرئيس هادي الذي لم يتحقق له الاشباع الرئاسي الكافي ليتعاطى مع الحراك بروحية رئيس دولة. قرر الرئيس هادي إن الملعب الجنوبي تنقصة العروض الشائقة، فغادر وقاره الرئاسي وهرع إلى الجنوب للعب في "دوري المظاليم" الذي بدأ في اعقاب حرب 94. كانت النتيجة أن الرئيس اليمني ارتطم ب"الرئيس الحراكي"، فتبادلا الطعنات السياسية. ولما كانت يد الرئيس اليمني طليقة _ كيد سلفه في الرئاسة وأكثر_ فقد استطاع ان يستميل نحو نصف عدد المكون الحراكي إلى صفه. وهكذا انتقل تمثيل الحراك الجنوبي من حراك 2012 الذي اسسه محمد علي أحمد والصريمة وقيادات حراكية وناشطون معروفون في الجنوب، إلى حراك 2013 برئاسة هادي نفسه (أحد أبطال حرب 94 التي أدت لاحقا إلى ظهور الاحتجاجات في الجنوب ضدا على نتائجها).

          في مطلع 2014 كان اعضاء منشقون من مكون محمد علي أحمد يظهرون في المشهد الختامي لعروض سيرك الحوار الوطني في فندق موفنبيك، باعتبارهم الممثل الشرعي والحصري للجنوب، مباركين المخرجات الرائعة التي ستضع حلا عادلا للقضية الجنوبية.
        كان ذلك الظهور _ بمعزل عن الرأي في اصحابه_ بمثابة الإعلان السافر للعدوان على اليمنيين جميعا والجنوبيين خصوصا، بمشاركة من كل المكونات السياسية والحزبية والشبابية والمدنية والحقوقية الحربية المشاركة في الحوار، جميعها بدءا من هادي والمبعوث الدولي وسفراء الدول الراعية وقادة أحزاب المشترك وقادة المؤتمر الشعبي.
لقد تعرض الشعب اليمني لجريمتين في موفنبيك: جريمة انتحال صفة تمثيله من قبل المشاركين الذين قرروا التمديد لهادي وللحكومة وللبرلمان، وجريمة انتحال صفة تمثيل سكان الجنوب من قبل الرئيس هادي وكل أولئك الطيبين الذين انتقلوا من عدن إلى صنعاء ثم انتقلوا من رئاسة محمد علي أحمد إلى رئاسة هادي بكل سلاسة.
في يناير 2014 كان المشهد الختامي لعروض السيرك اليمني. بعد أشهر قليلة بدأت نذر الحرب الأهلية الشاملة في الظهور. وفي يوليو اقتحم الحوثيون محافظة عمران. وفي سبتمبر اقتحموا العاصمة صنعاء ليفرضوا اتفاق سلم وشراكة كان من ضمن الموقعين عليه "حراك 2013"!
        والأن _ وفي ظل حرب داخلية كارثية_فإن حوارا أو تفاوضا أو تشاورا أو تناوشا، مقررا له أن يبدأ في جنيف غدا يضم كل المتآمرين في صنعاء منقوصا منهم "ارانب السباق" التي لا تُدعى للمشاركة في المنافسات داخل الحلبات المغلقة.
من الغباء توقع الكثير من هؤلاء المنتحلين الذين لم ينتخبهم أحد لتمثيله في أي حوار. لكنها شرعية القوة والبقية الباقية من "شرعية توافقية" أخذت وفدين إلى جنيف بناء على دعوة محترمة أخرى (!) من المجتمع الدولي.
        سيتفاوضون كقتلة، ك"حاربين" و"محروبين" _ باستعارة مفردات البردوني_ على كيفية انهاء الحرب طبق قرار مجلس الأمن 2216، وسيبحثون آليات تنفيذ هذا القرار، ويفترض أن يبحثوا مسودة اتفاق اطاري جديد يحل محل المبادرة الخليجية.
من الواضح ان المنتحلين جميعا لا يستشعروا أي مسؤولية حيال شعبهم وبلدهم. وهم _ بالخطاب والمسلك_ يفتقرون للحس السليم بالزمن وبالواقع. لذلك على المتفائلين أن يخفضوا سفوق توقعاتهم كثيرا. عليهم ان يتذكروا ان هؤلاء القتلة واللصوص والأفاكين كانوا يصلون، كتفا إلى كتق، في قاعات موفنبيك. وعندما كانت التحذيرات تصدر من أصوات مستقلة، من خطورة اخذهم "اليمن" إلى الحرب الأهلية، كانوا يردون بصور جماعية تظهر كم أنهم محبون ومتسامحون ومسالمون ومدنيون.
        من الفطنة أن يخفض اليمني توقعاته حيال ما يمكن أن ينجزه هؤلاء في جنيف، بتيسير المبعوث الأممي الجديد الذي لا يبدو أنه تعلم من جاره المغربي الدرس.
         من الضروري ألا يمر مشهد الوفدين من غير العودة إلى نقطة البداية:
من يمثل الحراك الجنوبي في جنيف؟
 

         كانت لدي، دائما، تحفظات مبدئية تتعلق بوجاهة استقدام اشخاص أو جماعات تمثل (دون أي تفويض) سكان المحافظات الجنوبية والشرقية (الجنوب السياسي سابقا)، ومع ذلك هناك مكونات وقيادات معروفة في الداخل والخارج لها حيثية تمثيلية في الشارع الجنوبي. لكن من المخزي أن تتورط "نخبة الهوان الوطني" مجددا في انتحال تمثيل هزيل للحراك الجنوبي يذكر بأسوأ عروض موفنبيك.
الحوثيون_ مثلهم مثل هادي واحزاب المشترك_ يلعبون اللعبة نفسها في الجنوب. صار لديهم "حراكيون" تحت الطلب!
        هناك دائما مسارات أكثر واقعية وعملية من اصطحاب ممثلين مزعومين لقضية وطنية (جنوبية) لن تحظى _ أبدا_ بتمثيل عادل قبل أن يحظى اليمن برجال دولة محترمين وقادة حزبيين كبار يحترمون شعبهم ويترفعون عن موائد اللئام ويأنفون من المشاركة في عروض تضليلية من شاكلة ما جرى في موفنبيك وما سيجري غدا في جنيف.

السبت، 13 يونيو 2015

في كون الحوثي ليس "صنيعة" صالح، و"العكفي" لما يعد، بعد، إلى حظيرة "السيد"!


       الأحكام القيمية بشأن الرئيس السابق علي عبدالله صالح وحزبه وزعيم جماعة "انصار الله" عبدالملك الحوثي وجماعته، تتفاوت بحسب الموقف السياسي والايديولوجي والاجتماعي لكل شخص. هناك مؤيدون ومعارضون، محبون ومبغضون، مستفيدون ومتضررون، ... الخ.
      لكن الأكيد أن الرجلين متمايزان سياسيا وايديولجيا واجتماعيا وعمريا. ليسا تؤامين سياميين ولا تجمع بينهما قرابة أسرية. وهما خاضا _ الأول في مواجهة الأخر_ 6 حروب ضارية أودت بحياة الآلاف من اليمنيين بينهم اقارب من الدرجة الأولى للحوثي.

صالح يقود حزبا سياسيا (التنظيم الشعبي في مرحلة حظر العمل الحزبي ومحاربة الأنشطة السرية للأحزاب لكن، أيضا، مرحلة التحالف بين الرئيس السابق والاخوان المسلمين بوصفهم "حزب الشدة" في مواجه اليسار والقوميين العرب في اليمن الشمالي).
عبدالملك الحوثي ورث أخاه الأكبر حسين بدرالدين الحوثي في قيادة الجماعة بعد الحرب الأولى (2004) التي انتهت بمقتل حسين بعد أسره مباشرة حسبما تؤكد رواية مؤيدي الحوثي. وقد اشتد عود الجماعة الفتية في الحروب الخمس التالية إلى أن اندلعت ثورة فبراير 2011 ضد نظام صالح، فالتحق الحوثيون بساحاتها وسقط من انصارهم شهداء وجرحى.
      هناك خطايا ارتكبتها السلطة الانتقالية برئاسة هادي في 2012 و2013 و2014، أدت تدريحيا إلى انتقال العلاقة بين صالح والحوثي من النمط الصراعي (المسلح) إلى النمط التكاملي (السياسي والمسلح خصوصا في العامين الأخيرين).
لا جدال في هذا.
        لكن أن يواصل معلقو اللقاء المشترك (وبخاصة الإصلاح) في الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي، اعتبار أحد الرجلين مطية للآخر أو أداة والعوبة في يده، فذلك تحاذق مكشوف لغرض التملص من مسؤولية النتائج الكارثية للمسار السياسي الانتقالي، أو غباء مطلق يغرق صاحبه في سبات مديد إلى ان يصحو على انفجار كبير آخر من شاكلة ما جرى في 21 سبتمبر 2014.

       صالح والحوثي يخوضان، في حلف منذ نحو عام، حربهما "الداخلية الإخضاعية" ضد الآخرين. ويتمظهر هذا الحلف لدى اليمنيين المعارضين لهما، باعتباره حلفا سياسيا جهويا (وربما طائفيا من أسف) خصوصا وأن عصب كل طرف من طرفي التحالف يقع في شمال الشمال، عسكريا واجتماعيا.
         هناك دائما محاذير اخلاقية وحقوقية ووطنية، يتوجب أخذها في الاعتبار قبل الخوض في مسائل دقيقة قد تغري من يقاربها بالتعميم أو التبسيط اللذين يرتبان تعميمات خاطئة وغير علمية من شاكلة "جوهرة" الشماليين _ التعاطي مع المواطنين في الشمال وبخاصة في عمران وصعدة وصنعاء وذمار باعتبارهم جوهر لا يتغير، وبالتالي "شيطنتهم" والانغماس في "عنف لفظي" بلا حدود ولا سقوف ضدا على "عنف مادي" تمارسه (أنطلاقا من هذه المناطق والمحافظات واعتمادا على ابنائها واتكاء على موروثها الحرب) مراكز نفوذ وبنى "دولتية" _ في الدولة المشخصنة (المزرعة)_ وجماعات سياسية عقائدية مسلحة من شاكلة الحوثيين.
       الحاصل أن الحوثي وصالح في تحالف حرب صريح ضد خصومهما السياسيين والايديولوجيين ومن اجل الاستحواذ على السلطة، تحالف له مفاعليه الكارثيه على النسيج الوطني والسلم الاجتماعي، لأن يستحيي في قلوب اليمنيين تاريخا من الغزوات العسكرية والفتوحات الامامية والاجتياحات الشمالية لمناطق المشرق وتهامة والجنوب.
الظاهر أن تحالفهما السياسي أقرب ما يكون إلى تحالف "اضطراري" في مواجهة الخصوم السياسيين للأول والخصوم الأيديولوجيين للثاني.
         الثابت أن تحالف الرجلين أخذ طابعا اجتماعيا (ديموغرافيا) نتيجة تقاطع جمهورهما في المحافظات الشمالية أساسا، حيث منجم مقاتلي الحوثي والينبوع البشري الأول للجيش اليمني منذ قيام الدولة في اليمن الشمالي مطلع القرن الماضي ثم بعد حرب 1994 التي قوضت الوحدات العسكرية الموالية للحزب الاشتراكي اليمني (جيش "اليمن الجنوبي" قبل الوحدة اليمنية).

       الأكيد أن هناك مستويات عديدة لتحليل هذا الحلف العسكري (والسياسي كما يبدو)، تفسيره وفهمه وتفكيكه إلى عناصره الأولية ورده إلى عوامله المتنوعة والمعقدة، الذاتية والموضوعية، السياسية والاجتماعية والهوياتية، بما يغني عن أية تعميمات غبية أو استخلاصات تبسيطية أو تأويلات محض طائفية او مقاربات خرافية من شاكلة أن الحوثي "صنيعة" صالح أو أن "العكفي" عاد إلى كنف "السيد"!

الثلاثاء، 9 يونيو 2015

الطريق الالتفافي إلى الحرب الأهلية اليمنية بوساطة "الحوار الوطني"!

_ كيف تقاطعت المشاريع العصبوية ضدا على "دولة المواطنين" أولا؟
_ الطريق الالتفافي إلى الحرب الأهلية اليمنية بوساطة "الحوار الوطني"!


 
      الباطنية هي القاسم المشترك بين الجماعات الدينية في اليمن والعالم العربي، سنية وشيعية، راديكالية ومعتدلة.
     التبحر في علم التأويل هو الشرط اللازم لأي دارس أو معلق على سلوك الجماعات الاسلامية.
      والثابت أن جماعتي الاخوان والحوثيين قادتا _ بالتوالي_ اليمن إلى حرب أهلية بالتشارك مع هادي وقادة المشترك والمؤتمر.

      في الوثيقة الفكرية لجماعة الحوثيين مطلع 2012 اضمرت الجماعة اهدافها السياسية في مواجهة "الربيع الاخواني" في اليمن المنبلج من "الربيع العربي".
لمواجهة تحالف الاخوان مع الجناح المنتصر من الصراع داخل "الزيدية الجغرافية" (علي محسن وال الاحمر)عمل الحوثيون حثيثا على احتكار تمثيل الزيدية.
      تطلب احتكار التمثيل تكريس قراءة منغلقة للزيدية تنزع منها تأثير "المعتزلة" وتضرب الزيدية في "قدس اقداسها" وهو الاجتهاد.
       والى الاجتهاد المقيد، اعادت الوثيقة الفكرية التوكيد على مركزية آل البيت واصطفائيتهم بما ان "السيد" هو المجتهد الحصري.
      لم تكن الوثيقة الفكرية مخرج حلقة نقاش "علمائية" زيدية. لكنها كان ضربا من الاستجابة الحركية للجماعة ومناصريها الذين استفززهم جموح اخوان اليمن.
       لم تتخلق بيئة انفتاح ثقافي جراء ثورة فبراير 2011 إذ سرعان ما تحولت ثورة الشباب إلى محض انقلاب أزاح صالح من السلطة وأبقى على رموز نظامه.
    حفزت السلطة الانتقالية التي تأسست في نهاية 2011 ومطلع 2012 عناصر الفرز الطائفي والجهوي في اليمن. كان ذلك بمثابة الانقلاب الشامل على الثورة.
     أراد الحوثيون احتكار تمثيل الزيدية في اليمن، وهذا يعني مأسسة "الزيدية" طائفيا، وهو هدف يتصادم مع تاريخ الحركة الوطنية في اليمن منذ قرن.
      أراد الاخوان المسلمون (الفرع اليمني للحركة الأممية ممثلا بالتجمع اليمني للإصلاح) حصر الحوثيين في مناطق شمال صنعاء خصوصا مع تزايد شعبيتهم جراء الاحباط من السلطة الانتقالية وفسادها. ويمكن فهم موافقة الاصلاح المتأخرة على الفدرالية ثم حماستهم للتقسيم السداسي (ستة اقاليم) كتجل طائفي يتوسل بالفدرالية تحجيم خصم ايديولوجي.

         وفي سياق الصراع على السلطة في اليمن عمد هادي إلى ادارة تحالف سري مع الحوثيين بالموازاة مع تحالفه مع الاخوان المسلمين (تجمع الإصلاح).
        كان الهدف المركزي لهادي هو تقويض قوة رئيسه السابق (صالح). ومن أجل ذلك ترك الحبل على الغارب للجماعتين اللتين تضفيان على صارعهما طابعا وجوديا.
     
        لقد تقاطع هادي والاصلاح ضدا على صالح.
       وتقاطع هادي والحوثيون ضدا على علي محسن الاحمر.
        وتقاطع الاشتراكي والحوثيون ضدا على "دولة" صالح.


        أثمر تقاطع هادي و"الإصلاح" مشروع تقسيم اليمن سياسيا إلى 6 اقاليم، أحدها يضم الزيود جميعا، تقريبا، في كيان يمكن وصفة ب"المعزل الطائفي". كان هذا التقاطع بمثابة البرنامج التنفيذي لوثيقة الحوثيين؛ أراد الحوثيون احتكار تمثيل "الزيدية" وقد منحهم الاصلاحيون أرضية لتحقيق إرادتهم عبر وضع "اليمنيين الزيود" في اقليم واحد في مشروع تقسيم طائفي ومناطقي شديد البدائية.
        أثمر تقاطع هادي والحوثيين توسع الجماعة انطلاقا من صعدة باتجاه عمران ثم صنعاء، بعد تصفية الجيب السلفي في "دماج" بتهجيرهم بقرار رئاسي.
أثمر تقاطع الحوثيين والاشتراكي اتفاق على تحييد "برلمان" صالح ومؤسسات الدولة الموروثة من عهد صالح، والذهاب إلى تأسيس جديد للدولة ينهي "الجمهورية اليمنية" انطلاقا من مشروع الاقليمين الفدراليين (جنوب وشمال).
       أثمر تقاطع الأطراف جميعا على تجاوز اللحظة الثورية العارمة في مطلع 2011 وما عززته من قيم ايجابية كنبذ العنف والالتقاء على قاعدة المواطنة، "انقلابا توافقيا" على الثورة والدولة، وأخذ "اليمن" من المرحلة الانتقالية إلى مرحلة اللا شرعية، بلوغا إلى الحرب الاهلية.
       كان الحوثيون الرابح الأول من هذه التقاطعات. وفي ما يشبه "الغموض البناء" _أو باطنية سياسية_ استطاعوا تنويم "هادي" و"الاشتراكي" وانقضوا على السلطة بالتنسيق مع الرئيس السابق صالح.
********
       في عام 2011 بدا وكان القوى الخاسرة في حرب 1994 هي المستفيد الأول من ثورتي الشباب والحراك السلمي في الجنوب. لكن هذه القوى لم تدرك حقيقة ما يجري في اليمن، ولم يرفع قادتها رؤوسهم ليلتقطوا الفرص، واحدة تلو الأخرى، تمرق امام اعينهم. كانت سنوات القمع والاستخذاء قد اوهنت عزائمهم. ولذلك غادروا الساحات في مطلع 2012 (بالموازاة مع الوثيقة الفكرية للحوثيين) وهرولوا إلى فندق ال5 نجوم شرقي العاصمة صنعاء منساقين وراء سراب من "فدرالية" و"سلطة مستدامة" و"حلول فردوسية" لن تتنزل أبدا على "الأرض المحرمة".

         كانت النخبة الحزبية، اسلامية وعلمانية، يمنية ويسارية، تحلق مرة أخرى في "كوكب موفنبيك" بعيدا عن جنوب الجزيرة العربية من "كوكب الأرض". كانت تحلق بمنطاد من تهويمات وحماسيات، وبوقود من مواعظ ووعود أطلقها "التبشيريون" من بقايا اليسار والقومية العربية، ممن جعلوا من أحد أشكال الدول (الفدرالية) أيديولوجيا تلهم مناصريهم قبل أن يفروا إلى "الرياض" تاركين اليمن رهينة للتحالف الأكثر واقعية وتجريبية، تحالف الرئيس السابق صالح وقائد جماعة الحوثيين عبدالملك الحوثي، اللذين تقاطعا على رفض مشروع "تقاطع هادي والإصلاح" في ما يشبه الانتصار ل"دولة صالح" بانصراف الحوثيين _بدءا من سبتمبر 2014 عن "الغنائيات الفدرالية".
في المرحلة الانتقالية انقلبت النخبة الحزبية والسياسية (الرسمية وغير الرسمية) على أحلام اليمنيين اولا. ثم في مرحلة لاحقة ارتطمت مشاريعها العصبوية بالسياسة ثم بالسلاح، فكانت هذه الحرب الأهلية اليمنية _ الاقليمية.
والآن؟
       هناك تجربة حوار كارثية في فشلها ومخرجاتها.
        هناك حوار جديد سينتظم قريبا في جنيف وما "بعد جنيف".

          هناك فرصة لاستنقاذ اليمن عبر تفادي خطايا المسار الانتقالي السابق، وبخاصة خطيئة جلب "السلطة" و"الجمهوية" إلى طاولة "حوار وطني"في مرحلة انتقالية!

الجمعة، 5 يونيو 2015

لاستنقاذ اليمن من جحيم الاحتراب الأهلي يتوجب في جنيف فصل "السلطة" عن "الدولة"!

_ 3 صفقات سياسية "انقلابية" انتصرت ل"صندوق الذخيرة" ضدا على "صندوق الانتخابات" فاندلعت الحرب الأهلية

_ لاستنقاذ اليمن من جحيم الاحتراب الأهلي يتوجب في جنيف فصل "السلطة" عن "الدولة"!

___________________________________________________________

        سيذهبون إلى جنيف. الأطراف نفسها التي تحاورت في صنعاء في 2013 ولكن بعد تغير كبير في الأوزان والأدوار لصالح الطرف الخارجي (من خارج المبادرة الخليجية) وهو الحوثيون.
      سيذهبون بعد حرب مدمرة تهيأت لها كل الأسباب في حوار 2013 جراء المقامرة الكبرى للسلطة الانتقالية برئاسة هادي وبتشجيع من احزاب اللقاء المشترك، والتي استهدفت الإمساك بالسلطة لفترة تتجاوز تلك التي حددتها المبادرة الخليجية (أي فبراير 2014) بذريعة ان مهام المرحلة الانتقالية لم تستكمل بعد.
        كانت تلك الذريعة القاسم المشترك بين الرئيس هادي واللقاء المشترك والمبعوث الأممي السابق جمال بنعمر. وقد انضم الرئيس السابق صالح الى "صفقة" الانقلاب على الشعب وثورته، بعد ان ضمن التمديد أيضا لمجلس النواب الذي يسيطر حزبه على اكثر من 80% من مقاعده.
        كذلك ضمن الرئيس هادي مدة اضافية في الرئاسة (بدون التفويض الشعبي الذي تحصل عليه في فبراير 2012)، وضمن اللقاء المشترك استمرار حصته وافضليته في الحكومة برئاسة محمد سالم باسندوة، وضمن الرئيس السابق والمؤتمر الشعبي بقاء محلس النواب الذي انتخب في 2003 لمدة ست سنوات. (مدة المجلس تنتهي طبق الدستور النافذ في ابريل 2009 لكن صفقة انقلابية (أولى) بين الرئيس حينها (صالح) واللقاء المشترك في فبراير 2009 أدت الى تأجيل الانتخابات النيابية مدة سنتين.
من اللافت هنا أن الاحزاب، وليست الجماعات خارج العملية السياسية، هي من تحمست في المرتين للانقلاب على "صندوف الانتخابات"!
      الصفقة الأولى أدت لاحقا إلى ثورة شعبية عارمة ضد نظام صالح في فبراير 2011.
     الصفقة الثانية أدت إلى "ثورة" الحوثيين على سلطة التوافق الانتقالية في سبتمبر 2014.
       في الثورة الأولى نزل الشعب اليمني الى الساحات في المدن الكبرى لاسترداد السلطة من مغتصبيها. وقد التحق المشترك بعد تردد بالشباب في الساحات، ثم تمكن من التسلط عليها، قبل ان يتحكم بقرارها عقب انشقاق الرجل الثاني في السلطة علي محسن الأحمر. كذلك بدأت الثورة تتصير، تدريجيا، أزمة سياسية بين طرفي صفقة 2009، بعد تغير الأوزان لصالح المشترك المستقوي بالساحات وبالمنضمين إلى معسكره من رموز النظام السابق.
      

       في "الثورة" الثانية، وهي ثورة جماعة، تمكن الفاعل الخارجي، أي الحوثيين، من استثمار مشاعر الاستياء والخيبة لدى جمهور واسع من اليمنيين جراء فشل سلطة الوفاق وانقلابها على الإرادة الشعبية، واستطاع حصد ما يمكن اعتباره "الفاقد" من الثورة والسياسة في العملية الانتقالية لصالحه، وتقدم بالسلاح انطلاقا من صعدة إلى عمران ثم العاصمة صنعاء، فارضا نفسه شريكا في السلطة من خلال اتفاق السلم والشراكة.
        في الصفقة الأولى كانت ذريعة المنقلبين (صالح والمشترك) ان البيئة السياسية تستلزم اجراء اصلاحات انتخابية قبل أية انتخابات نيابية. وقد كان مؤدى ذلك انسداد سياسي وتآكل شرعية النظام السياسي فاندلعت ثورة شعبية سلمية.
       في الصفقة الثانية كانت ذريعة المنقلبين (هادي والمشترك ثم صالح) أن مهام المرحلة الانتقالية المنصوص عليها في المبادرة الخليجية لم تنجز، وأن مخرجات الحوار الوطني التي تتأسس على تغيير طبيعة الدولة اليمنية من دولة بسيطة إلى دولة مركبة، تستدعي مرحلة انتقالية ثانية وثالثة (مفتوحة في الواقع لاستحالة انجاز هذا التحول، الخرافي، في أمد زمني محدد). وقد كان مؤدى ذلك أن شرعية الرئيس هادي والسلطة الانتقالية تآكلت، فاندلعت ثورة فئوية مسلحة فرضت "صفقة ثالثة" صار الحوثيون بموجبها فاعلا داخليا، متحكما أكثر منه حاكما أو شريكا في الحكم.
       

        كان اتفاق السلم والشراكة تكميليا، في الظاهر، للمبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني ووثيقة ضمانات تنفيذ المخرجات، لكنه في الواقع كان يضع قواعد جديدة لممارسة السلطة الاجرائية في العاصمة يتمتع بموجبها الحوثيون بحق النقض. وقد ظهر هذا سافرا في النصف الأول من يناير عندما استكمل الحوثيون "ثورتهم" بالانقضاض على السلطة والاطباق على المربعات الأمنية التي بقيت ل"الرئيس الشرعي" في العاصمة،فاندلعت الحرب.
    
        والآن؟
       هناك صفقة رابعة، وليس اتفاقا وطنيا، في الطريق كما يتضح من الاتصالات التي يجريها المبعوث الأممي الجديد في صنعاء والرياض وطهران. صفقة تضم اطراف الصفقات الثلاث السابقة والفاعلين غير اليمنيين، وخصوصا الرياض وطهران وواشنطن.
       حتى الآن لا يظهر من سلوك، وخطاب، أي من أطراف الصفقات الثلاث ما يشي بأنه قام بمراجعة معمقة للمسار السياسي منذ 2009 وبخاصة منذ 2011.
      الأكيد ان معسكري الحرب الداخلية (صالح والحوثيين في جانب وهادي والمشترك) ليست لديهم الرغبة في نزع أحزمتهم الناسفة قبل الذهاب الى جنيف.
        الرئيس "الشرعي" هادي وتحالفه الفضفاض يتشبثون بخرافات الحوار الوطني وفي مقدمها فدرلة الدولة وإن تباينت المواقف بشأن عدد الأقاليم.
       الرئيس السابق صالح يرفض علنا مخرجات الحوار الوطني بحسب آخر تصريحاته لقناة الميادين. ويرفض منذ سنة فدرلة الدولة ويتمسك بالدولة التي صاغها على صورته خلال 3 عقود، في اليمن الشمالي أولا ثم في الجمهورية اليمنية بعد حرب 1994 التي انهت الانقسام في الجيش والتقاسم في دولة الوحدة بالأطاحة بالحزب الاشتراكي اليمني وملاحقة قادته والاستيلاء على مقراته وامواله، ثم تعميم ثقافة نظام صالح على المحافظات الجنوبية والشرقية التي هي "الجنوب السياسي" الذي صار، مذّاك، غير ممثل في السلطة رغم المحاولات الترقيعية المتكررة لتعويض فجوة التمثيل عبر جماعة الرئيس الأسبق علي ناصر محمد (هادي ومن صاروا "الزمرة" بعد الاقتتال على السلطة في اليمن الجنوبي في 13 يناير 1986) وعبر تعزيز شخصيات قبلية في الجنوب واستقطاب شخصيات مرموقة في قيادة الدولة الجنوبية والحزب الاشتراكي اليمني. كذلك صارت حرب 1994 تعني لدى تحالف "الشرعية" برئاسة صالح وعضوية جماعة "الزمرة" والتجمع اليمني للإصلاح، حرب تعميد "الوحدة" بالدم. بينما صارت لدى الحزب الاشتراكي ولاحقا قطاعات شعبية واسعة في الجنوب وبعض الشمال، "حرب احتلال الجنوب"، او حرب الضم والإلحاق (طبق تعبير اقتبسه علي سالم البيض في 1994 من تراث منظر اليسار الأول في اليمن عبدالله باذيب المتوفي في 1976)، بينما يقدم الشاعر عبدالله البردوني تعبيرا يجسد بالحركة معنى تلك الحرب الكارثية، فهي عنده ليست حربا للحفاظ على الوحدة ولا هي حرب لتعميدها بقدر ماهي خطة مدروسة من الرئيس صالح منذ ما قبل 22 مايو 1990، لتوسيع اقطاعيته الشمالية جنوبا!
***
      هذان موقفان علنيان للرئيس هادي والرئيس السابق صالح.
       ماذا يريد الحوثيون بما انهم سلطة الأمر الواقع؟
       في 2013 و 2014، استطاعوا التلاعب بأطراف الصفقتين الأولى والثانية والمضاربة بينهم إلى أن فرضوا انفسهم طرفا متحكما في صفقة ثالثة (اتفاق السلم والشراكة). لكنهم الآن في بيئة أشد تعقيدا بوصفهم سلطة أمر واقع لا تملك ان تضمر ما تريد الى حين الانقضاض على خصومها. وفي 2014 بدأ قائد الجماعة عبدالملك الحوثي تصعيد خطابه ضد حكومة باسندوة أساسا مؤجلا _ وربما مخدرا الرئيس هادي_ إلى أن اجتاح مسلحو الجماعة العاصمة. وفي اتفاق السلم والشراكة انتزعت الجماعة تنازلا من هادي يقضي بإعادة النظر في تقسيم اليمن سياسيا إلى 6 أقاليم. لكن الحوثي في خطابات ما بعد سبتمبر صعد نبرة الاعتراض على الفدرالية تدريجيا بلوغا الى اعتبارها مؤامرة لتمزيق اليمن. وفي اثناء الحرب اعلن صراحة ان الجماعة ستسلم زمام الأمور في المحافظات الجنوبية والشرقية للمجالس المحلية. وسكت!
        يصعب تصور قيام تحالف صالح_ الحوثي بالاستيلاء على السلطة وشن الحروب في كل الجهات دون اتفاق مبدئي بينهما على مستقبل الدولة. من هذه الزاوية من غير المستبعد أن يكون الحليفان _ اللذان تقاربا كثيرا حد توصيف صالح للحروب الدموية بينهما في العقد الماضي على انها ناجمة عن محض خلاف اداري وليس عقائديا كما كان يصوره اعلام النظام في الماضي، قد توصلا إلى موقف مشترك، ولكن غير معلن، من هذه المسألة باعتبارها من النقاط التي يستحيل قيام التحالف دون حسمها أولا.

        باستثناء الاستيلاء على السلطة فإن ما يريده تحالف الحاربين _ صالح والحوثي_ غير واضح تماما. لكن ما لا يريده هذا التحالف لا يحتمل أي لبس أو سجال: الإطاحة بالرئيس هادي ومنع عودته الى العاصمة أو اي مكان آخر داخل اليمن، واسقاط مشروع تقسيم اليمن سياسيا إلى 6 اقاليم.
&&&
       لنتأمل مجددا الأحداث منذ 2009:
_ في 2009 جرى انقلاب أول على الديمقراطية (بمحدودية تأثيرها وبخاصة الانتخابات العامة المتحكم بها باعتبارها قبلوية الأحكام منذ انفراد صالح وحلفائه بالسلطة وبالدولة، أي منذ صارت دولة الوحدة "اقطاعية" موسعة!)، وقد جرى تبرير هذا الانقلاب من قبل الطرفين، بضرورة اجراء اصلاحات في النظام الانتخابي قبل اي انتخابات. [والحاصل أن تأجيل الانتخابات جرى أيضا في ظل تأجج الاحتجاجات في الجنوب وتنامي قوة الحوثيين في الشمال]
_ في 2011 اندلعت ثورة في سياق عربي (الربيع العربي) ازاحت صالح من السلطة.
_ في يناير 2014 جرى انقلاب مزدوج؛ على الشعب والثورة، استهدف منع الانتخابات العامة مجددا لصالح اطراف المبادرة الخليجية (هادي وصالح والمشترك). فكانت مخرجات الحوار الوطني ووثيقة الضمانات التي مددت لكل الهيئات العليا.
_ في سبتمبر 2014 اجتاح الحوثيون العاصمة وفرضوا اتفاقا تكميليا باسم السلم والشراكة. واطلقوا على ما جرى "ثورة".
_ في يناير 2015 استكمل الحوثيون "ثورة" هم! بالتنسيق مع الرئيس السابق صالح.
***
       تجنبت الأطراف السياسية التقليدية، منذ 2009، الانتخابات العامة، نيابية ومحلية ورئاسية، الدورية بذرائع متنوعة، وبتشجيع من المجتمع الدولي، فحلت صناديق الذخيرة محل صناديق الاقتراع. وصارت الكلمة الفصل للجماعة الأكثر جاهزية للقتال بعدما كانت في حوزة الجماعتين الأكثر جاهزية للتصويت وهما التجمع اليمني للإصلاح صاحب الأفضلية المحدودة في المدن الكبرى وفي مناطق الغرب والجنوب والوسط، والمؤتمر الشعبي العام بما هو حزب السلطة والآلة الانتخابية الفعالة بعد عدة استحقاقات انتخابية منذ ابريل 1993.
***
       بعد ثورة 2011 تقاصرت احزاب المشترك عن الامساك باللحظة الوطنية التي وحدت اليمنيين في الساحات ووفرت فرصا لاستجماع "الذات الوطنية" عبر قرارات واجراءات تعالج قضايا المظلومين جميعا، في صعدة وفي الجنوب أولاـ ثم في اليمن عموما. لكن المشترك المحتار قبل 2011 صار المشترك المحتال بعد 2011 مستفيدا من صعف اداء الرئيس الانتقالي. وهكذا عملت قيادات المشترك مع الرئيس هادي من أحل هدفين:
_ منع الانتخابات في فبراير 2014 كما تنص المبادرة. وقد كانت الحجة ان المرحلة الانتقالية لم تستكمل مهامها. وكانت وثيقة الضمانات واحدة من اعاجيب السياسة اليمنية، فالسلطة التي اهملت وتقاعست وقصرت صارت مستحقة للمكافاة بالتمديد لها، والشعب المقهور صار موضعا للعقاب بحرمانه من انتخاب حكامه.

_ منع ثورة شعبية اخرى عبر تفكيك الدولة اليمنية من خلال ترويج مشروع الفدرالية باستثارة النعرات الطائفية والمناطقية، والتبشير بفردوسين أو 6 فراديس، تؤجل أي استحقاقات وترجئ أية مطالب شعبية او ثورية.
       
        هكذا انتشرت فرقة كبرى في اليمن هي "المرجئة"!
         صار أي مطلب أو استحقاق رهن بمدى ملاءمته ل"الفدرالية" الموعودة.
         صارت الفدرالية المقحمة بعد ثورة 2011 العامل الثابت في المسار الانتقالي. وكل مطلب أو استحقاق او حتى سلوك مقاس عليها: إنْ كان يعززها فهو جيد، وإن تعارض معها فهو خطر.
***
        لنتأمل مجددا في المشهد اليمني على ضوء المقاربة السابقة:
        في 2011 اندلعت ثورة شعبية عارمة اجبرت الرئيس صاالح على تسليم السلطة ضمن تسوية تؤمن له حصانة من الملاحقة القضائية وتؤمن لحزبه نصف السلطة الانتقالية.
         في 2012 جرى تصميم مسار انتقالي يمنع حل القضية الجنوبية (أو اقله تسوية المظالم والحقوق بقرارت رئاسية وحكومية) ويرجئ اية معالجات لقضية صعدة بالتفاوض بين السلطة الانتقالية والحوثيين، وكان ذلك الانقلاب الأول على المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية.

        في مطلع 2014 ابرم اطراف المبادرة الخليجية صفقة برعاية دولية جرى بمقتضاها التمديد للرئيس الانتقالي (المؤقت) ولحكومة الوفاق ولمجلس النواب. وكان ذلك الانقلاب السافر على المبادرة الخليجية.
       لتمرير الانقلابين اصر الرئيس هادي واللقاء المشترك على أخذ الدولة إلى طاولة الحوار: بدلا من استكمال نقل السلطة ومعالجة اسباب القضية الجنوبية (الحقوقية لا السياسية) وانهاء اسباب الحروب في صعدة (بالتفاوض المباشر بالاستفادة من اجواء الثورة الشعبية التي شارك الحوثيون بفاعلية فيها)، جاءوا بالدولة الى طاولة الحوار وصارت طبيعة الدولة المحور في النقاشات والدليل الذي يستهدي به المتحاورون.
***
         الحاصل ان وضع السلطة والدولة على طاولة حوار واحدة تسبب في كوارث كبرى.
         فهو سمم أجواء الحوار، وحرف الانظار عن اهداف الثورة الشعبية، وأرجأ اية حقوق بفعل النزعة التبشيرية التي شاعت في الخطاب السياسي وبخاصة من الرئاسة وأحزاب المشترك، وحفز المشاعر العصبوية في مختلف مناطق اليمن، ومكن الحوثيين من استثمار مشاعر الاستياء لدى قطاعات واسعة في الشمال تطلعت مع بقية قطاعات الشعب اليمني الى دولة مواطنة وعدالة تشمل برعايتها جميع اليمنيين لكن النخبة السياسية (الانقلابية التبشيرية) حولتها _ بالقصد أو بالغباء_ إلى "مذنب" بجريرة ان صالح ومراكز القوى من ابناء مناطقها في شمال الشمال أو في "مطلع" و"الشمال الزيدي". وقد بلغ من أمر هذه المقاربة التآمرية وغير الوطنية أنها حشرت كل المناطق الشمالية الزيدية في اقليم واحد اطلق عليه اسم "آزال". كان ذلك الاقليم المعزل الذي جعل منه الحوثيون المتضررون حاضنة شعبية ومنجم مقاتلين في خدمة مشروعهم للانقضاض على الدولة.
***
         سيذهب اطراف الصفقات ال 3 إلى جنيف لإبرام صفقة رابعة يتقاسمون بمقتضاها السلطة على بلد تنهشه الدعوات العصبوية وشعب مزقته الحرب.
اليمنيون في اغلبهم _ حسب تقديري_ ليسوا متفائلين بالمرة. فخبرة السنوات الأربع الماضية علمتهم أن لا يثقوا بأحد من هؤلاء الذين يقتتلون على السلطة وإذا اتفقوا فعلى تقاسمها بالتحالفات الحربية والصفقات السياسية لا بالائتلافات الانتخابية، وعلى تقسيم الدولة وعلى تجزئة السيادة وتفتيت الهوية الوطنية.
       سيذهبون بأحزمتهم الناسفة الى جنيف.
      هناك سيكررون خطاياهم بوضع عملية نقل "السلطة" وإعادة النظر في "شكل الدولة" مجددا على الطاولة نفسها. وهذه المرة فإن السلطة ما عادت سلطة واحدة مطلوب استكمال نقلها كما كان الحال في خريف 2011، بل هي سلطتان: سلطة أمر واقع في صنعاء وسلطة "شرعية" في الرياض. وما عادت الدولة هي ذاتها فقد آلت الى دويلات أمر واقع بفعل الحرب.
        الاطراف الداخلية جميعا هي من ستتحاور (أو تتشاور أو تتفاوض) في جنيف.
         لا أحد منها سيغيب.
       لكن هناك طرفا محليا لن يحضر، طرفا محليا خارجيا (من خارج السياسة وضدا على مرجعياتها جميعا) هو "القاعدة" أو "داعش" اليمني المرشح في حال استمرار هذا الانقسام الوطني وازدهار مشاريع التفتيت الطائفية والمناطقية (الهادوية المشتركية) ومشاريع التسلط الجهوية (الصالحية الحوثية)، لحصد "الفاقد" من الفشل السياسي والاحتراب الداخلي والحرب الأهلية اليمنية الاقليمية.

****
        هناك دروس مستفادة من محنة السنوات ال3 الماضية، سنوات السلطة الانتقالية، أولها أن اليمن في مسيس حاجة إلى اتفاق اطاري جديد (يتأسس على الدستور والمبادرة والمخرجات واتفاق السلم والشراكة) يؤسس لسلطة توافقية بديلة ويرجئ "الفردوس" الفدرالي الهادوي إلى مرحلة لاحقة طبق ضمانات تحول دون عدم طرح بند "شكل الدولة" مجددا للحوار، لكن بعد تأمين سلطة توافقية تنهي حالة الاحتراب وتستنقذ "الدولة" اولا، وتقود البلد نحو قيام سلطة اعتيادية بهيئات منتخبة. وبالموازاة تداوي هذه السلطة الانتقالية جروح الماضي بدلا من ارجائها أو تحويلها _ كما فعل هادي وقادة المشترك_ إلى كروت سياسية وادوات ابتزاز ضد اطراف سياسية أو فئات اجتماعية ومناطق يمنية.

        بكلمة واحدة،
       يحتاج اليمن إلى تحييد المشاريع التبشيرية لهادي والأطراف الأخرى، ونزع الأحزمة الناسفة لكل الاطراف قبل الذهاب الى جنيف، وفصل مسار استكمال نقل "السلطة" (أو بنائها) عن مسار "شكل الدولة".
       يحتاج اليمنيون إلى تضميد جروحهم وحل قضيتي الجنوب وصعدة (في بعديهما الحقوقي أولا) في المرحلة الأولى. قبل أي حوار حول مستقبل كيان الدولة.
      

        يحتاج اليمنيون إلى اتفاق إطاري جديد يؤمن لهم السلم والاستقرار خلال فترة انتقالية قصيرة وينهي آثار انقلاب فبراير 2014 (انقلاب هادي والمشترك) وآثار انقلاب يناير 2015 (انقلاب صالح والحوثي) ثم يعمل على تقليل مفاعيل الماضي بجروحه والحاضر بحروبه وتأثيراتهما الكثيفة على "المستقبل" الذي كادت أيادي ثوار 2011 أن تلامسه.