الأربعاء، 12 أغسطس 2015

في إعادة الاعتبار إلى البديهيات وعدم جواز إدارة الظهر ل"صعدة" و"الجنوب" وأسبقية الحقوق على الفراديس!

       الدرس المستفاد الأول، من بين دروس كثيرة، من فشل الرئيس هادي ودائرة مستشاريه هو ان لا أحد يستطيع أن يحكم بإدارة ظهره إلى فئة من الشعب بذريعة أن المشكلة، كل المشكلة، في شكل الدولة.
في سيرورة الحوثيين من صعدة إلى عدن كان واضحا ان هادي يتصرف مع بعض المناطق اليمنية باعتبارها "خارجية"، اي خارج العاصمة صنعاء، او خارح "الدولة" التي يترأسها.
في عمران، على سبيل المثال، تعاطى الرئيس هادي مع الحرب هناك باعتبارها مشاكل داخلية في دولة صديقة (بالأحرى دولة معادية). والمثير أن هادي لم يكن واقفا وحده هناك في "العالم الافتراضي"، بل إن كل قادة الأحزاب وأغلب الناشطين في الشأن العام (الشان العام بما هو مدخل إلى الشأن الخاص او العصبوي) اعتبروا ما يجري في عمران فعل حميد يصب في صالح الدولة الاقتراضية المقبلة.
كانت هذه المقاربة متناغمة مع مشروع لإعادة صوغ الدولة بإدارة الظهر إلى المحافظات الشمالية باعتبارها "العائق" دون تحقق تطلعات اليمنيين في دولة مدنية عصرية.
اتذكر أن صديقا يقيم في الخارج قال لي أن هذا "الأخرق"_ يقصد الرئيس هادي_ يظن أن الحوثيين سيوفرونه في العاصمة، وسيكتفون بمطاردة خصومهم الايديولوجيين إلى آخر الدنيا.
هادي ليس "الأبله" ولا هو "الشيطان". هو الرئيس الذي جاءته الفرصة على طبق من ذهب ليقود اليمن بعد ثورة شعبية مجيدة.
لم يكن في حاجة إلى تثوير الناس او كسب ثقتهم ورضاهم بقرارات تاريخية.
كان مطالبا فقط بإنجاز مهام انتقالية مدعومة شعبيا واقليميا ودوليا. وكان أمامه عائقان:
_ الرئيس السابق الذي ترك الرئاسة مرغما بعد ثورة عارمة، لكنه متشبث بالبقاء في "السلطة" بوساطة الحزب الذي أسسه قبل 3 عقود، وبالبقية الباقية من "انصار الثورة"؛
_ المنشقون على الرئيس السابق الذين يمتلكون النفوذ ويعتقدون أن انشقاقهم "حمام ثوري" يؤهلهم للحكم مجددا. وهؤلاء هم "انصار الثورة" الذين ظلوا يصدرون البيانات باسم "الثورة" حتى بعد إخلاء شباب الثورة للساحات.

لقد أمضى الرئيس هادي عامه الأول في السلطة في استرضاء "المنشقين" المتشدقين ب"الثورة" ضدا على "رجال صالح الأوفياء" الذين يتباكون على الشرعية. وفي الأثناء جعل من القضيتين المركزيتين (القصية الجنوبية وحروب صعدة) كرتين سياسيين وحربيين في مواجهتهما معا: في مواجهة صالح وعلي محسن معا.
كان يلعب بالنار.
الرؤساء المحترمون لا يعبثون في المناطق المحرمة.
لا يضاربون بين الأقوياء على حساب الدولة.
لا يجعلون عذابات المظلومين سلاحا تكتيكيا مشهرا في وجوه المنافسين السياسيين.
لقد لعب هادي على طريقة سلفه صالح. لكن الرئيس "الضيف" في دار الرئاسة لا يملك مقومات الرئيس "المضيف" الذي صاغ الدولة على صورته، جاعلا من اليمن "مزرعة" أراد توريثها لسلالته الملكية الجديدة التي سرعان ما قوضت مستقبلها "ثورة شعبية" اندلعت في اليمن.
كان هادي يفتقر لعصبية يحكم بها.
وكانت العصبية الوحيدة المتوفرة لديه هي الدولة.
لكنه، كما اغلب الحزبيين الذين شاخوا في عهد صالح دون ان يتمكنوا من الحكم أو حتى المشاركة المستدامة في الحكم، كان يبغض هذه "الدولة"، ويستعجل فناءها. وقد كانت الفدرالية (بما هي فكرة لها جاذبية) وسيلته إلى التشبث بالرئاسة وتفادي انتخابات غير مضمونة النتائج، في نهاية مرحلة انتقالية (فبراير 2014)، والتخلص من الضغوط بتوزيع السلطة (افتراضيا) على الحشود المتدافعة عند بوابة الرئاسة: أنصار ثورة وأنصار الله وأنصار شرعية وحراك ومن استطاعت السلطة الجديدة اغواءهم من شباب الثورة وناشطي وناشطات المجتمعات المدنية والحقوقية والنسوية!
لقد أصابت تكتيكات هادي الدولة في مقتل.
وهو، بدعم من جمال بنعمر وقادة المشترك وسفراء غربيون، قامر بوضع "السلطة" و"الدولة" معا على طاولة حوار واحدة بشكل متزامن. وقد استدعى ذلك تأجيل الحقوق كافة وشيوع نزعة تبشيرية بين كبار المسؤولين ومن شايعهم من "أنصار" في الاحزاب والحركات والائتلافات الشبابية والثورية. [الواقع أن فئة انصار جديدة ظهرت في 2013 هي "انصار هادي"، وهؤلاء يمكن حصرهم في كل المستفيدين من تعطيل مهام المرحلة الانتقالية المقررة في المبادرة الخليجية واحتلاق مهام انتقالية أخرى في مؤتمر الحوار تسمح ببقاء هادي أطول فترة ممكنة في دار الرئاسة).

كانت تلك حماقة دفع اليمنيون جميعا ضريبتها خلال العامين الماضيين. فشرعية الرئاسة تضعضعت والاطراف الموقعة على المبادرة الخليجية تتأكل مصداقيتها شعبيا، خصوصا احزاب اللقاء المشترك، والإحباط يتسرب إلى الملايين التي خرجت تطالب بالتغيير فإذا بالتغيير يستحيل تقاسما للسلطة وتقسيما للدولة لحساب أمراء حرب وجنرالات وجماعات مسلحة.
وفي الأثناء تقدم الحوثيون سريعا إلى العاصمة التي انقضوا عليها، بمساعدة من الرئيس السابق صالح، في 21 سبتمبر 2014. ثم احكموا قبضتهم عليها في 19 يناير بإنهاء آخر المربعات الأمينة للرئيس الانتقالي الذي تمكن لاحقا من الفرار إلى عدن، ثم إلى الرياض.
***
خلال الفترة فبراير 2012_ فبراير 2014 فعل هادي وشركاؤه كل شيء يمكنهم من تفادي الانتخابات وترحيل الاستحقاقات وتعطيل الحقوق.
لم يفعلوا شيئا من أجل حل القضية الجنوبية بدءا من معالجة المظالم التي تمهد للحول السياسية.
لم يقم بأية مبادرة تجاه صعدة من أجل انهاء الحالة الاستثنائية التي نجمت عن حروب صعدة ال6، والتي صارت علامة على تجزؤ السيادة على اراضي الدولة بسيطرة جماعة مسلحة على جزء من اراضي الدولة ما يستعجل تصفية هذه الحالة بذهاب الدولة إلى صعدة بالتعمير وبالسلام وبالتعويض وبالاعتذار. لكن ما حصل ان الجماعة التي كانت تنازع الدولة على السيادة في صعدة، هي من زحفت إلى العاصمة لابتلاع الدولة.
لم يكن الأمر بريئا على الاطلاق.
وعندما توفرت لرئيس هادي فرصة اتخاذ قرارات وطنية تحظى بتأييد شعبي كاسح، وذلك عندما اشترطت عليه "لجنة التحضير للحوار الوطني" تنفيذ 20 نقطة بشأن الجنوب وصعدة للتهيئة لمؤتمر الحوار الوطني، غضب واستهجن وتوعد وقاطع!
لقد صار للرئيس هادي "أنصار" وقفوا في صفه ضدا على "الدولة" و"الحقوق" و"الاستحقاقات". وقد تمكن من التحايل على النقاط ال20 التي صارت، كما اهداف ثورة 26 سبتمبر 1962، تزيِن كل الوثائق والاعلانات والبيانات والاتفاقات التي تصدر في اليمن منذ خريف 2012.
***
والآن؟
هناك دروس مستفادة.
_ لا يمكن الحفاظ على "وحدة" دولة على حساب حقوق فئات من المواطنين.
_ لا يجوز تأجيل الاستحقاقات الدستورية (الانتقالية) بذريعة انجاز مهمة لم ينص عليها الاتفاق الانتقالي.
_ حتى لو أردت تغيير "شكل الدولة" فإن ضمان نجاحك هو توفير بيئة ملائمة لانجاز تغيير خطير كهذا وذلك برد الحقوق ورفع الإكراهات أولا وليس "المصاربة" بين اليمنيين وتأجيج المشاعر العصبوية وتأليب اليمنيين ضد اليمنيين.
_ الشرعية ليست مقولة تجريدية. والثابت أن الانقلاب على الشرعية التوافقية بدأ فور انقلاب هذه السلطة على الشعب بعدم انجاز المهام الانتقالية ثم بالتمديد لرئاسة هادي دون أي اعتبار للإرادة الشعبية.
_ السيادة على آراضي الدولة لا تتجزأ. (وهذا درس لا يبدو أن هادي قد استوعبه حتى الان بالنظر إلى ما يجري في عديد من المناطق غير الخاضعة لسيطرة الحوثيين).
_ من لا يذهب إلى صعدة بالدولة (وبالشرعية ويالإعمار) تأتيه صعدة إلى غرفة نومه!
_ لا يمكن لأي مشروع سياسي أن يكون وطنيا إذا قام على أساس استبعاد فئة من اليمنيين أو إدارة الظهر لهم. ومشروع فدرالية هادي والإصلاح ومن والاهم من "فديراليي 2013" قائم على أساس إدارة الظهر لملايين اليمنيين باعتبارهم "عائق" أو "مركز مقدس" أو "مركز مدنس" حسب تعبير بعض الفدراليين الطارئيين والمتحمسين.

***
الحرب لم تنته في اليمن.
هناك مفاوضات في مسقط.
هناك بديهيات ماثلة تم القفز عليها في حريف 2012 فاندلعت الحرب في خريف 2014. وإذا تم القفز عليها مجددا فإن اليمن قد يسقط مجددا في حرب أشد خطرا من أية حرب شهدها في الماضي. وهذه البديهيات يمكن تلخيصها في الآتي:
_ الحقوق والإعمار اولا قبل الأحلام (أحلام هادي والأحزاب والجماعات).
_ الحفاظ على الدولة مقدم على أي مشروع لتغيير شكلها.
_ الطريق الى اللامركزية الواسعة (بما في ذلك أي شكل من اللامركزية السياسية) يبدأ من تقوية الوحدات الإدارية القائمة.
_ الاستجابة للتطلعات المحلية لا يكون بالضرورة عبر التقسيم السياسي للدولة. اليمنيون يرديون دولة مواطنة ولا يريدون عاصمة "قاصمة" وتركيزا للسلطة في أيد فاسدة أو عصبة من أي نوع. وفي الإرث الانساني (الدولتي) الكثير من السبل إلى تحقيق ذلك دون المخاطرة بهوية الدولة ووحدة شعبها والسلم الأهلي للمجتمع.
****
هناك مسلمات "انتقالية" حلت محل "المهام الانتقالية". وقد حان الوقت لإعادة النظر في هذه المسلمات "الهادوية"، بالتشكك فيها وتمحيص منطقها وإدامة النظر في مفاعيلها على "العربية السعيدة" التي اغرقها حفنة مقامرين في الدم من أجل مصالح فئوية وشخصية وبالتبشير بفراديس قد لا تتنزل أبد
ا.

السبت، 1 أغسطس 2015

في ضرورة إعادة "صعدة" إلى السياسة وإعادة الاعتبار إلى البديهيات!

    إنهاء الحرب بمشروع وطني يقدِم الحقوق ويرحِل "الفراديس"
_______________________________________

   
       مساء يوم الاثنين 20 فبراير 2007 مانعت أحزاب اللقاء المشترك مسعى الرئيس السابق صالح وحلفائه، إلى خلق "إجماع وطني" بشأن حربه الثالثة في صعدة ضد الحوثيين.
الرئيس صالح وحلفاؤه أوقفوا الحرب لاحقا من دون مشروع وطني يحول دون تحويل "الحروب" إلى "أداة" عسكرية واجتماعية (وثقافية) تخدم مصالح سياسية لبعض الأطراف قدر ما تقوض المصلحة الوطنية. ولذلك اندلعت 3 حروب أخرى في صعدة، اتسع نطاق الأخيرة منها إلى عمران ومشارف صنعاء.
التاريخ لا يكرر نفسه. لكن استخلاص العبر منه يمكن أن يزود صنّاع القرار ب"وصفات وقائية" تمنع اندلاع الحروب داخل الأوطان أو بين الدول. القارة العجوز أوروبا، التي كانت مسرحا لأعظم حربين في النصف الأول من القرن العشرين، لم تحترق بالنار مجددا باستثناء الحرب ثناء الحرب في البلقان جراء انهيار المعسكر الاشتراكي، وتفكك الكيان الاتحادي ليوغوسلافيا.
بعد 4 سنوات، بالتمام، من بيان اللقاء المشترك بشأن الحرب ال3 في صعدة، اندلعت "ثورة شعبية" ضد الرئيس المحارب صالح. كانت الثورة شعبية وسلمية. وفي أسابيعها الأولى بدا وكأن الاحتكام للسلاح صار فصلا في "كتاب التاريخ" اليمني لا مكان له في مستقبل اليمنيين الذين خرجوا بصدورهم العارية يواجهون أدوات القوة العارية للنظام. لكن انشقاقا جدث في "رأس" النظام فرض مفاعيله، لاحقا، على مسار الثورة التي صار لديها "انصار ثورة" مسلحون يتحركون بمنطق حروب النظام الذي كانوا أبرز رموزه العسكرية والاجتماعية.
بعد "ربيع" يختال بوعود الديمقراطية والسلام والعدل والمواطنة، عاش اليمنيون صيفا من نار شبّت في "دار الرئاسة" أولا، ثم امتدت ألسنتها إلى أرحب وأبين والجوف ومأرب ومناطق يمنية اخرى. لكن الكلمة العليا بقيت ل"روح الثورة" السلمية بقيمها التقدمية التي كبحت "النزعات" الحربية لرجال السلطة الأوفياء وأولئك المنشقين. وقد اضطر الرئيس صالح إلى التوقيع على مبادرة خليجية تلبي جزئيا مطلب الثوار بخروجه من الرئاسة لقاء تقاسمه السلطة مع "اللقاء المشترك" و"أنصاره"، يكون على راسها رئيس جديد هو نائبه الصموت الذي تقبل به المعارضة التي كانت قد احتكرت تمثيل الثورة ونصبت نفسها ناطقا أوحد باسمها.
بدأت مرحلة انتقالية مطلع 2012. وبدأ "المحتربون" الاستعداد لحرب سابعة!
في الخريف التالي (خريف 20  مساء يوم الاثنين 20 فبراير 2007 مانعت أحزاب اللقاء المشترك مسعى الرئيس السابق صالح وحلفائه، إلى خلق "إجماع وطني" بشأن حربه الثالثة في صعدة ضد الحوثيين.
  الرئيس صالح وحلفاؤه أوقفوا الحرب لاحقا من دون مشروع وطني يحول دون تحويل "الحروب" إلى "أداة" عسكرية واجتماعية (وثقافية) تخدم مصالح سياسية لبعض الأطراف قدر ما تقوض المصلحة الوطنية. ولذلك اندلعت 3 حروب أخرى في صعدة، اتسع نطاق الأخيرة منها إلى عمران ومشارف صنعاء.
التاريخ لا يكرر نفسه. لكن استخلاص العبر منه يمكن أن يزود صنّاع القرار ب"وصفات وقائية" تمنع اندلاع الحروب داخل الأوطان أو بين الدول. القارة العجوز أوروبا، التي كانت مسرحا لأعظم حربين في النصف الأول من القرن العشرين، لم تحترق بالنار مجددا باست12) كانت فرصة الإقلاع نحو المستقبل ما تزال ماثلة. لكن الرئيس هادي وحكومة الشراكة (والحوثيين الذين انفتحت لهم جزئيا أبواب العاصمة) اختاروا متابعة الاستعداد للحرب بدلا من الاعتداد ب"روحية الثورة" السلمية. ولكم كان الأمر مثيرا إذ توافقوا جميعا على ترحيل "أولويات" الثوار وتقديم استحقاقات "السياسة" وإغراءات السلطة، السلطة التي صارت ضربا من "تسلط" جديد باسم التقاسم والشراكة والحوار. وكذلك صارت الدولة "غنيمة" يتجاذبها المتسلطون بالمبادرة والطالعون من غمار حروب صعدة ال6 الذين بدؤوا ترتيب موقفهم وتنظيم تحالفاتهم انطلاقا من مآل ثورة قبراير 2011 الذي لاح وكأنه يدر كل عوائده السياسية والعسكرية على الطرف المنشق عن الرئيس صالخ الذي صار ينتظم تحت "لواء" اتخذ له عنوانا ثوريا (أنصار الثورة).
ضدا على "انصار الثورة" صدّر الحوثيون عنوانا جديدا يتحركون سياسيا باسمه هو "أنصار الله". وبدؤوا بسج خيوط تحالف مع الرئيس السابق صالح الذي صار له "انصار شرعية" هم "رجاله الأوفياء" الذي وقفوا حتى اللحظة الأخيرة في صفه ضدا على "رجاله المنشقين".
كانت هناك فئة "أنصار" رابعة هي "أنصار الشريعة"، الفرع المحلي من تنظيم القاعدة.
بينما كانت عُرى التحالف بين "أنصار الله" و"أنصار الشرعية" تتوطد وتزداد متانة بستحث طرفيها القلق من انفراد "أنصار الثورة" بالسطة وتغلغل "أنصار الشريعة" داخل "الأرض المحرمة"، كان الرئيس هادي ومؤيدوه الحزبيون وزمرة من التكنوقراط والبيروقراطيين وممثلون منتقون لشباب الثورة والمجتمعين المدني والحقوقي، يشيدون، بالرومنسيات والتلفيقات والتهويمات والأناشيد السمجة، "دولة" يمنية جديدة يبشرون اليمنيين الطيبين بها، باسمها وبوعد تنزلها الوشيك يرجؤون كل حق، من صعدة إلى عدن، وكل استحقاق، من انتخابات هئيات الدولة (رئاسة وبرلمان ومجالس محلية) إلى مؤتمر أكبر حزب وأصغر "جمعية" وأعرق "اتحاد" وأهم "نقابة".
***
بدلا من الذهاب الى الجنوب استجابة لاستحقاقات "القضية الجنوبية" الحقوقية والسياسية والأمنية و"الهوياتية"، وبدلا من الذهاب إلى صعدة بالدولة من أجل احلال السلام الدائم والإعمار وإزالة مظاهر الانقسام في السيادة، قرر الرئيس هادي والنخبة السياسية (وبخاصة اللقاء المشترك) تحويل قضايا الناس إلى "كروت"، وقرر "انصار الله" و"أنصار الشرعية" تدشين تحالفهما على "الأرض المحرمة" أولا. ثم، تاليا، اجتاحوا عمران ثم العاصمة. وبينما كانت "دولة فندق موفنبيك" تتبعثر في الهواء ختى من قبل ان تتنزل على الأرض، كانت "دولة الغلبة" تعيد تثبيت ركائزها التقليدية وأولها المؤسستان العسكرية والأمنية اللتين صاغهما صالح على "صورته"، وغير التقليدية متمثلة في جماعة اسلامية جهادية تتدثر ب"التاريخ" وتتلفع ب"الثورة" وتتسلح ب"المظلومية" وتتذرع بها لصد أي هجوم او نقد.
والنتيجة؟
انقلاب شامل في العاصمة وحرب تسلطية إحلالية استحلالية، داخلية، بدعاوى "الثورة" و"الوحدة" و"الشرعية الثورية" و"مخرجات الحوار الوطني"، ما لبثت أن جلبت حربا من الخارج باسم "حماية الأمنين الاقليمي والوطني" وباسم "دعم الشرعية" متمثلة بالرئيس هادي وحكومة خالد بحاح.
***
هذه حرب مركبة، متعددة الاغراض. وهي حرب غير منكافئة بالتأكيد. هي الحرب الأكثر وحشية منذ قرون، ولعلها الحرب الأكثر وحشية على الاطلاق.لكنها أيضا حرب غير مقدر لها أن تنتهي برابح وحيد بالنظر إلى مسارها وطبيعة اطرافها، محليين وعرب. وهي حرب "المقامرين" الذين اختاروا "مباراة صفرية" رغم استحالة ان ينفرد طرف واحد بالسلطة ويستحوذ على الدولة مهما تكن دعاواه ومهما بلغ حبروته. وهي حرب الأنصار الذين احتربوا في العقد الأول من القرن الأول من الألفية الثالثة باسم مشاريع ترتد باليمنيين قرنا إلى الوراء على الأقل ضد "الأنصار" الذين أرادوا التسلط على اليمنيين باسم "تهويمات" أخذت اليمنيين إلى هذا "الجحيم".
***
هذه حرب مزدوجة شديدة التعقيد. ليست حربا بالسلاح فحسب. وإنما هي حرب ب"المخرجات" و"الشراكة"، وحرب باسم "شرعيات" لا يمانع بعضها من إقامة "إمارات" اسلامية او جهوية. وهي حرب تتغذى من "خرافات" الايديولجيات الدينية و"ثأرات" التاريخ، القديم والحديث، و"ثورات" الحاضر المختطفة والمزعومة.
***
للحروب منظروها ومهندسوها وتجارها وأبطالها (هل للحروب الأهلية_ الوطنية الاقليمية_ أبطال؟) وضحاياها.
وهذه الحرب ما كانت لتندلع لو ان السلطة الانتقالية التزمت بتعهداتها فاولت الحقوق والاستحقاقات العناية الواجبة.
ما كانت لتندلع لو أن الرئيس هادي وحكومة الوفاق احترموا إرادة الشعب وقدروا تضحيات الشهداء، شهداء حروب الماضي وصراعاته وشهداء الحراك الجنوبي وشهداء الثورة الشعبية).
ما كانت لتندلع لو أن "اللقاء المشترك" الذي عطّل "الإجماع الوطني" في 2007 (كما ينوه المقال الاقتتاحي الذي نشرته في "النداء") ولم يتورط في "صناعة إجماع" في موفنبيك ضدا على "أولوية النظر في المظالم" ومع "اولويات تقاسم السلطة وتقسيم كيان الدولة".
أسباب اتدلاع الحروب تتعدد وتتناسل. والأكيد أن هذه الحرب الكريهة تناسلت من أطماع المتسلطين ومن "أوهام" المؤدلجين، ومن حروب الماضي القريب، حرب 1994 وحروب صعدة.
الأكيد ان هذه الحرب ما كانت لتندلع إذا لم تتعالَ سلطة الوفاق (والنفاق والشقاق) على جراحات اليمنيين في الجنوب وصعدة.
ما كانت لتندلع لو انها احترمت البديهيات وهي تحضر ل"حوار وطني" قال كثيرون، وأبرزهم أعضاء اللجنة التحضيرية لانعقاده إنه لن ينجح في إخراج البلد إلى النور إن لم يسبقه تنفيذ 20 نقطة تتعلق بالجنوب وصعدة.
لنأمل أن تنتهي هذه الحرب بقاعدة "غير صفرية". لنأمل ان يتحلى تحالف حرب الداخل (طرفا حروب صعدة ال6) بشيء من الحكمة فيستجيب لمطالب الأطراف الداعية لإنهاء الحرب، ويمتثل لقرارات الشرعية الدولية وبالتالي الشرعية التوافقية. وان يتعلم التحالف السعودي_ الخليجي العربي من الدرسين العراقي والسوري، ف"الشرعية" التي يحتشد من أجلها، ويقصف ويسلح ويمول، لا تعني شيئا إذا ذهب "الكيان الوطني" لليمنيين إلى التقسيم وإذا سقط المجتمع اليمني في "مستنقع" الحرب الأهلية المستدامة، وإذا تشظت "الجماعة الوطنية" اليمنية إلى جماعات حوثية وغير حوثية.
طال امد هذه الحرب أم قصر فإن "الجهاد الأعظم" هو في صوغ مشروع انقاذ وطني يحقن دماء اليمنيين، ويعطل قواعد "المباراة الصفرية"، ويبني سلطة توافقية ويستنقذ الدولة من الانهيار والمجتمع من التمزق، فيقدِم الحقوق ويحترم البديهيات ويرحل "التصورات" و"الأحلام" و"الفراديس" ويجعل من هذه الحرب "نهاية التاريخ" الاحتلالي والتسلطي في "اليمن" المحزون الكان قبل قرون سعيدا!
*** ***
*** ***

هنا افتتاحية ل"النداء" أثناء الحرب الثالثة في صعدة:
في ضرورة إعادة صعدة إلى السياسة - سامي غالب
_____________________________________
______________________________________
الأربعاء , 21 فبراير 2007 م
___________________
أفسد اللقاء المشترك في بيانه الصادر الإثنين بشأن أحداث صعدة «صناعة الإجماع الوطني» التي بدا وكأنها قد دخلت دور الازدهار.

أعاد البيان، بصرف النظر عن اللغة التي اعتمدها، الاعتبار إلى السياسة، فالثابت أنه لا إجماع يمكن أن يتحقق في حرب داخلية حتى وأن كان أحد طرفيها فئة صغيرة ترفع السلاح في مواجهة الدولة.
والمؤمل في بيان المعارضة أن يعيد طرح أحداث صعدة في سياق السياسة بما هي ممكنات وتسويات ومقاربات تراعي الحساسيات والتعقيدات وتستند إلى منطق الدولة، وتقارب الأزمات بروح العصر، بدلاً من الانحدار إلى خطاب عصبوي تكفيري يشيطن «الخصم»، توطئة لاقصائه، فتجريده من انسانيته.
عوض التهوين أو التهويل من شأن أحداث صعدة وتداعياتها على النسيج الوطني، فإن أطراف المنظومة السياسية مدعوون إلى التوافق على صيغة معالجة تحفظ للدولة هيبتها بضمان حقها في احتكار وسائل القوة والإكراه المادي، وتصون دماء اليمنيين جنداً و«متمردين»، وتصد أية محاولات لتدخلات اقليمية ودولية لإستثمار أزمة تولدت عن اعتمالات محلية صرفة، وإن حفزتها متغيرات اقليمية ايديولوجية ومذهبية.
لاح بيان المعارضة في بعض فقراته وكأنه يرد على اتهامات السلطة، لكأنه يبادلها توظيف «المأساة الصَعدية» في سجالات عقيمة. ومع ذلك فإن من العدل أن يحسب للمعارضة انها سجلت موقفاً صريحاً مما يجري في بقعة غالية من الوطن. وعليها الآن أن تمتص ردود الفعل المتوقعة من أطراف داخل الحكم، وتبذل في الوقت نفسه الجهد المستطاع، وفي طاقتها الكثير مما تستطيع بذله، من أجل الإسهام في كبح جماح القوة، تمهيداً لجرها من أذنيها وإدخالها إلى حظيرة السياسة، وصولاً إلى صيغة وطنية لتحديد إقامة الأزمة الخطرة، وتحجيم آثارها، تؤسس لمعالجة حاسمة لا توقف الحرب في صعدة فحسب، بل تسد أي منفذ لاستعارها مجدداً في نسخة رابعة.

الثلاثاء، 28 يوليو 2015

اليمن يدخل الشهر ال5 من حرب داخلية_ اقليمية بدأت تتخذ نمط "الحرب الأهلية"

 اختار الحوثيون خوض "مباراة صفرية" فانهارت الدولة و"تملشن" اليمن!
  _اليمن يدخل الشهر ال5 من حرب داخلية_ اقليمية بدأت تتخذ نمط "الحرب الأهلية"

      ______________________________________________________
       
          اختار الحوثيون خوض المباراة الصفرية في يناير الماضي عندما أرادوا فرض "شراكة"_ بالإخضاع لا بالانتخاب ولا بالاستحقاق القانوني_ على الرئيس الانتقالي هادي وحكومة بحاح. ولما لم يستجب هادي (وهي المرة الأولى التي لم يستجب فيها هادي ل"مشئيتهم" بخاصة وأنهم أرادوا فرض نائبا منهم عليه ليرثه بالحياء أو بالموت!)، حبسوه في بيته وأطبقوا بميليشياتهم على البقية الباقية من "المربعات الأمنية" التي تركوها للرئيس بعد اجتياح العاصمة في 21 سبتمبر.
      بعد اسبوعين من احتلال دار الرئاسة والقصر الجمهوري و"مسكن" الرئيس التوافقي، أصدر الحوثيون إعلانا دستوريا يضع السلطات جميعا في قبضة "لجنة ثورية عليا"، ثم جلبوا الأحزاب الى فندق موفنبيك لاستئناف "حوار" جديد بمباركة المبعوث الدولي جمال بنعمر (الذي غادر منصبه لاحقا بالإفالة).
      لاحقا تمكن الرئيس هادي من مغادرة بيته في عملية استخبارية رفيعة، ووصل إلى مدينة عدن التي صارت "عاصمة مؤقتة" إلى حين تحرير "العاصمة المحتلة" من الاحتلال الحوثي!
      أخفق هادي في تأمين مدينة عدن. وقد أظهرت التطورات المتسارعة أن فخامة الأخ "رئيس الجمهورية" كان طيلة الفترة الانتقالية (تنتهي في فبراير 2014) مضافا عليها فترة سنة ممنوحة من فندق ال5 نجوم  وال560 "كوكب" و"نيزك" في العاصمة (موفنبيك)، نائما في "العسل"؛ نعيم الرئاسة وسلطتها غير المقيدة. إذ أن الفوضى في العاصمة المؤقتة لم تلبث ان سادت جراء تمرد الوحدات الأمنية والعسكرية على السلطة التوافقية وانحيازها السافر إلى "سلطة" التحالف الصالحي الحوثي في صنعاء. وقد اضطر "الرئيس" إلى مغادرة "عاصمته" الثانية عبر عُمان، ليستقر في الرياض، عاصمة المملكة العربية السعودية.
      في نهاية مارس بدأت عمليات "عاصفة الحزم" بقيادة السعودية لدعم الشرعية (هادي) وإعادتها إلى العاصمة الأولى (صنعاء) ومنع الميليشات التابعة لصالح والحوثي من اجتياح المزيد من المحافظات. وبعد أيام استطاعت الديبلوماسية الخليجية من استصدار قرار من مجلس الامن يؤكد على شرعية الرئيس التوافقي ويلزم الحوثيين وحلفاءهم باحترام مرجعيات العملية السياسية الانتقالية في اليمن، ويدرج اسم قائد جماعة الحوثيين عبدالملك الحوثي في قائمة معرقلي العملية السياسية.
       القرار الدولي منح السعودية ودول الخليج (والتحالف العربي) الحق في الرد على سلوك ميليشيات الحوثي التي تهدد أمنها.
     هكذا دخلت السعودية، بقرار دولي، فاعلا عسكريا في اليمن كنتيجة مترتبة على شن الحوثيين وصالح الحرب على "الشرعية" في اليمن.
       بعد 4 أشهر من الحرب في (وعلى) اليمن، لم يتمكن أي طرف من تحقيق اهدافه.
      الحوثيون أصدروا إعلانا دستوريا منفردا، سقط فور صدوره ذلك أن السطة الثورية التي شكلوها (سلطة الأمر الواقع) لم تحظ بأي اعتراف من أي دولة في العالم (باشتثناء ايران التي تعاملت معها بحكم العلاقة الخاصة).
      والتحالف العربي بقيادة الرياض فشل في تحقيق اهدافه المعلنة باستثناء عودة خجولة للسطة الشرعية إلى "العاصمة المؤقتة".
      وفي الأثناء قُتل الآلاف من اليمنيين (وعشرات السعوديين وآحاد الاماراتيين) ونزح مئات الآلاف من بيوتهم ومدنهم وقراهم (من صعدة المنسية لاعتبارات دعائية تتعلق بالتحالف والحوثيين إلى المكلا التي استولى عليها الفرع المحلي لتنظيم القاعدة).
       لا يظهر المتحاربون أي قدر من التشكك في أهداف مبارأتهم الصفرية. وقد تابع الحوثيون "الحفر" ملوحين بخيارات استراتيجية يقولون إنها عسكرية ووطنية من شاكلة إيذاء السعودية داخل حدودها وتشكيل هيئات حكومية دائمة (في استكمال مهام الاعلان الدستوري الساقط).  وعلى الضفة الأخرى لا يخفي مسؤولون يمنيون (شرعيون) عزمهم على تحرير اليمن كاملا من قبضة "العصابات الميليشيوية).
       وبالأمس أرسل الحوثيون ما يؤكد أنهم "خارج الواقع" بقرار "تعويم" اسعار المشتقات النفطية وإخضاعها للعرض والطلب في بلد يسقط في "حضيضهم" الثوري، يدنو نحو 90% من سكانه من حافة الجوع.
       قبل نحو عام اعلن الرئيس هادي جرعة سعرية جديدة كانت ذريعة الحوثيين لاقتحام العاصمة في 21 سبتمبر، اليوم الذي صار "يوم النصر المؤزر" و"نهاية التاريخ" [هل تتذكرون يوم 7 يوليو 1994؟].
       يقدم الحوثيون أنفسهم كجماعة انقلابية لا صلة لها بالثورات. وهم يسلكون سلوكا انتهازيا في كل ما يخص "السلطة" إلى حد تعريض اليمنيين جميعا لخطر الموت بالقصف والاقتتال أو بالجوع. وخلال الأشهر ال4 الماضية، وبسبب اصرارها على اجتياح المناطق اليمنية انطلاقا من العاصمة، وضعت الجماعة نفسها في مواجهة "الجماعة اليمنية" غير مكترثة لعواقب ما تفعله على النسيج الوطتي اليمني.
      وفي المقابل تخوض دول التحالف العربي (بقيادة السعودية) حربها النظيفة على اليمن والتي يمقتضاها يٌقتل الآلاف من اليمنيين في عدن ولحج ومأرب وتعز وشبوة وأبين وصعدة مع تقليل الخسائر البشرية من جيوش هذه الدول (الداعمة للشرعية!) إلى ما دون الحد الأدنى. هذه الاستراتيجية أدت إلى تدمير البنية التحتية اليمنية والحاق ضررا بالغا بمنشئات تاريخية وثقافية في ذمار (التي تم دك متحفها) ومأرب حيث أقدم المعابد السبئية، وصنعاء القديمة التي تعرضت بعض مبانيها للانهيار فضلا على آثار القصف العنيف على جبل نقم على المباني المعمرة في هذه المدينة الآسرة التي تربض عند قدميه! وفي عدن (الجريحة) احرقت نيران الحوثيين وصالح العديد من العمارات العتيقة في كريتر والتواهي والمعلا، حيث لكل عمارة من هذه العمارات تاريخ لصيق بالمدينة الجزيرية الألصق بالعصر وقيمه. وأما في تعز حيث القتال المستعر جراء تشبث الحوثيين وصالح بالمدينة باعتبارها "قدس الأقداس"، فقد رأى سلاح الجو السعودي في تمركز الحوثيين على الحواف المطلة على المدينة من قلعة "القاهرة" ذريعة مثلى لضرب القلعة من الجو. وقد أدى القصف الى تحويل الجزء العتيق من القلعة إلى أنقاض.
     اليمنيون لا يحصون خسائرهم من هذه الحرب. فالحوثيون على سبيل المثال لا يريدون الظهور في مظهر الطرف الذي تعرض للإذلال. وبينما تتردد اصوات نشيدهم الحربي (ما نبالي) من السيارات المتنمرة على السكان في العاصمة والمدن التي يسيطرون عليها، يتكتمون على حجم الخسائر البشرية في صفوفهم، ويتجنبون كليا الظهور في هيئة "الضحية" حتى لو كان الثمن إخفاء حجم الدمار في مدينة "صعدة" العريقة. ومن اللافت ان سياسيين يمنيين ينقلون عن قيادات الجماعة عبارات متبجحة يفاخرون فيها بأن تدمير صعدة لم يترتب عليه أية خسائر بشرية في اوساط مجاهديهم.
                    ***
     الشهر الخامس من حرب "الجماعات الجاهلية" في اليمن والعالم العربي في اليمن، بدأ للتو.
     الحوثيون لديهم خيارات استراتيجية الآن، بينها أنهم عازمون على تشكيل مجلس رئاسي وحكومة في العاصمة. ما يعني انهم غير مبالين حقا بالعواقب كما تقول زواملهم الحربية، وأن مغامرتهم تسير، راهنا، بالدفع الذاتي، وبقوانين الحرب وطفراتها.
     السعوديون أيضا عالقون في اليمن، فالمهابة السعودية لم تتنزل من الاسبوع الأول كما افترضوا. وحلفاؤهم المحليون يستنقعون في أزماتهم المزمنة وفي عصبويات جهوية، ولم يظهروا أية إشارات على أن لديهم حيثية على "الأرض المحرمة" (الأرض التي تقع في الشمال اليمني وكانت محرمة إلى منتصف القرن ال20 على الأجانب، رحالة ومستشرقين ومغامرين. وهم بعد اجتماعهم في الرياض بمباركة خليجية وعربية و"دولية"، فشلوا في كسب تأييد شعبي حقيقي او استنهاض اليمنيين الذين يستفظعون العيش في كنف "ثورة" الحوثيين.
        خيارات طرفي الحرب اليمنية_ الاقليمية تنفتح على الزمن مع دخول شهرها الخامس. لكن الزمن ليس محايدا في هذه الحرب!
        بوسع أي متابع التقاط ما طرأ من متغيرات نوعية خلال نصف العام الماضي.
       _ في يناير كانت هناك ميليشيا واحدة تتحكم بعدة مدن يمنية بينها العاصمة صنعاء. والآن فإن ميليشيات جهوية وعقائدية أخرى تتقدم في مدن آخرى، باسم "المقاومة" وباسم رد عدوان "الرافضة"!
      _ في يناير كانت الواجهة مكتظة بالحزبيين والسياسيين، وهي الآن محشوة بالمحاربين.
      _ في يناير كان هناك "بطل" ميليشيوي واحد يخطب في جمهوره. والآن صار لدى اليمنيين في مناطق يمنية أخرى أبطالها المقاومون.
      _ في يناير كان هناك عاصمة واحدة لليمنيين، والآن صار لديهم 3 عواصم.
       _ في يناير كان لدى اليمنيين القدرة على الوصول إلى وسائل الاعلام المرئية والمقروءة، والآن صار هناك مصدران فقط هما الاعلام السعودي والاعلام الإيراني، علما بأن اغلب اليمنيين محرومون من مصادر الطاقة والكهربا، ما يعني في الغالب الأعم، افتقارهم لوسائل الاتصال المختلفة.
       _ في يناير كان بوسع اليمني ان يتنقل من مدينة إلى أخرى. والآن فإن ملايين اليمنيين محبوسون في "معازل" داخل المدن وعلى امتداد الخارطة اليمنية.
      _ في يناير لم يكن متصورا أن يقتل يمني يمنيا آخر "على الهوية" لكن الأشهر ال4 الدامية، أظهرت أن المجتمع اليمني (المتجانس والمتماسك قيميا) ليس محصنا من الجائحات الطائفية والعقائدية التي تعصف بالمشرق العربي. وقد ظهرت مؤشرات أولية على وقوع جرائم كراهية في العديد من الحواضر اليمنية، وهناك خشية من ان تتنامى هذه الظاهرة وتمتد إلى مناطق جديدة كالعاصمة صنعاء.
              ***
     الحروب لا تندلع فجأة.
     هناك دائما مقدمات ومحفزات ومخططات ومؤامرات.
     والحق أن نذر هذه الحرب ظهرت باكرا.
     ففي خريف 2012 اطلق ناشطون وكتاب تحذيرات من أن مسار العملية السياسية الذي اختارته السلطة التوافقية، وباركته الدول الراعية، سيؤول حتما إلى حرب.
    وقد اندلعت الحرب في صعدة أولا.
     ثم في عمران، التي بارك الرئيس هادي سقوطها في قبضة الحوثيين لأنه توهم انه يتخلص بذلك من بعض حلفائه الثقلاء.
    ثم في العاصمة.
     ثم في رداع والبيضاء ومأرب.
     وعندما انفتحت شهية الحوثيين على الآخر، وأرادوا فرض نائب رئيس من جماعتهم، قرر الرئيس هادي الاستقالة.
     وها هي الحرب تجرف السياسة والبيروقراطية والنسيج الاجتماعي في اليمن.
     وتتكامل حماقات الحوثيين في العاصمة والمحافظات مع التكتيكات الخرقاء ل"الشرعية" و"داعمي الشرعية"، راسمة احداثيات لمرحلة أخطر من الحرب الداخلية، هي الحرب الأهلية (الدينية_ الجهوية) في بلد عربي آخر في المشرق العربي.
           ***
   الحرب في اليمن مستمرة.
     الحوثيون في "مغامرة" قد تودي بوجودهم.
     وخصومهم يتخبطون في عدن والرياض.
       الحوثيون استحلوا انتزاع المكاسب السياسية بالقوة.
        استحوذوا بالقوة العارية على "عاصمة" اليمنيين، وبدعاوى "الثورة" على "دولة" اليمنيين التي صارت "ميليشيا" تقرر "تعويم" كل شيء في اليمن.
      "ملشنوا" الدولة، ف"تملشن" المجتمع كله.
       صار للحوثيون نظائر في محتلف مناطق اليمن.
       وبالنظر إلى مسار الحرب الدائرة، فإن ما من مانع من ان تبتلع ميليشيا صاعدة باسم المقاومة أو باسم صد "الروافض" ميليشيات الأمر الواقع في اليمن.
        المجتمع اليمني المتعافي من داء "الحروب الطائفية" هو استثناء.
          لكن حروب الإخضاع إذ تندلع تحت رايات "الله" والتي يكون وقودها "رجال الله" من الشباب المجيشين من قبل الحوثيين، فإن لا شيء يحول دون سقوط "اليمن" "حرب أهلية_ طائفية" مستدامة.
                 ***
        
        هناك صوت خجول سُمع الأسبوع الماضي في العاصمة صنعاء، يقول ما مفاده أن حروب الإخضاع والاحتلال الداخلية ولى زمنها. وأن العودة إلى الحوار هو المدخل الأوحد إلى استعادة "الدولة" واستنقاذ المجتمع اليمني من خطر "الميليشيات" في العاصمة والمحافظات.
      أطلق الحزب الاشتراكي اليمني مبادرة جديدة معززة بخطوات مقترحة. وهي مبادرة يمكن البناء عليها لبلورة رؤية مشتركة لكل القوى السياسية المناوئة للحرب، تكون مرتكزا للضغط من أجل إحلال السلام، ومن أجل استنهاض اليمنيين ضدا على "الميليشيات" بدءا من صنعاء. وفي هذا فليتنافس المتنافسون!

          

الخميس، 16 يوليو 2015

إن كنت العيد فأين العيد اليوم المبتكر الغريد؟


      الحرب سحقت أغلبية اليمنيين، وانتزعت أحبة من كل الأعمار من آلاف الأسر اليمنية، من عدن إلى صعدة.
     الحاربون والمحروبون _ باستعارة تعبيرات البردوني_ يخوضون مباراتهم الصفرية الحقيرة فوق أرضية مغطاة بأجساد اليمنيين ومغمسة بدمائهم. يخوضون الحرب بالناس العاديين وبأبنائهم وبسلامهم فيما هم من الكهوف والمخابئ والقصور الملكية يتابعون إطلاق الكلمات النارية والتوكيد على الوعود الكبرى وإرسال اليمنيين إلى مخيمات النزوح واللجوء والشباب المعدمين، المجاهدين والأبطال، إلى المقابر.
        هذا عيد جاء متثاقلا حياء من أسر الشهداء والجرحى ومن النازحين واللاجئيين، "ثقيلا" على الفقراء والمعدمين الذين تعاظم عددهم خلال 3 أشهر من حرب الاجتياحات الداخلية، الاحتلالية الاستحلالية، وحرب الغارات الجوية والحصار المفروض على ديار "اليمانية" من قبل القبائل "القيسية" في واسطة العقد الثاني من القرن الأول في الألفية الثالثة.
        غزوات المحليين (البغاة والطغاة) وغارات الخارجيين (عربا وعجم) أرتدت باليمن قرونا إلى الوراء، في حرب جاهلية كريهة وقودها أوهام وخرافات وعصبيات، حرب قوضت حياة اليمنيين وسلامهم ووحدتهم، ودهست أحلامهم، الكبيرة والصغيرة، العامة والشخصية، وتطلعاتهم وأمانيهم، وجعلت اليمني يقتل اليمني باسم الله وباسم القرآن وباسم "السيادة"، سيادة القائد لا سيادة الوطن المزعومة.
        اليمنيون يتحاملون على أنفسهم ليلة عيد مصبوغ بحمرة الدماء، حمرة دماء اليمنيين التي ما عادت لها حرمة في زمن الماضويين؛ ظالمين وظلاميين.
يتحاملون على أنفسهم ويتبادلون التهاني والتبريكات كما فعلوا على الدوام منذ انغرسوا على هذه الأرض العزيزة على قلوبهم.
      كل عام واليمنيون في خير وسلام ووئام. 


  ****
إن كنت العيد فأين العيد
اليوم المبتكر الغريد؟
أيشيخ العيد؟ وكيف صبا؟
إن كان يشيخ فكيف يبيد؟
كل الأعياد أتت يوماً
ومضت وأتى عنها التعييد
. البردوني

***

الأربعاء، 24 يونيو 2015

_ في دولة "الميليشيا" أو "حديقة 21 سبتمبر 2014"!

_ سوه المزيد من الصحف"الرئيس" الثوري اصدر توجيهات بالإفراج عن الزميل جلال الشرعبي فاعتقل مرؤوسيين
_ في دولة "الميليشيا" أو "حديقة 21 سبتمبر 2014"!
_______________________________________
يتبادل الحوثيون وجهاز الأمن القومي توزيع المسؤوليات بخصوص "المختفين قسريا"، صحفيين وسياسيين وناشطين. وقد باءت بالفشل أية مبادرات لتحرير هؤلاء اليمنيين من قبضة الجماعة ومن "البقية الباقية" من أذرع أجهزة المخابرات في اليمن.
حتى توجيهات رئيس اللجنة الثورية العليا (السلطة العليا طبق الاعلان الدستوري المنفرد للحوثيين) التي أصدرها الى جهاز الأمن القومي بشأن الزميل العزيز جلال الشرعبي لم يكترث إليها أحد. بل إن مذكرة "الرئيس" الافتراضي في دولة الحوثيين، صارت محض دليل على ان الإنجاز الأوحد للحوثيين حتى الآن، هو أنهم قوضوا "الدولة" ودفعوا باتجاه الاقتتال الأهلي، وجعلوا "الناس العاديين"، وغير العاديين أحيانا، تحت رحمة "الأبوات" الذين يمسكون بالسلطة على الأرض لكنهم ينفرون، أشد النفور، من مقرات مؤسساتها وأجهزتها، وعلى المضطرين اكتشاف وسيلة للوصول إلى مخابئهم السرية من أجل "قضاء حاجة" أو استرداد حق. وفي حالة كهذه يظهر وسطاء من كل صنف وشاكلة، لابتزاز البسطاء واستثمار معاناتهم.
في حالة "المختفين قسريا"، سياسيين وصحفيين، تتجلى "الكارثة" في هيئة "رئيس" افتراضي ثوري يصدر توجيهات، ورجال أمن يعتبرون توجيهاته ضربا من "الاستعراض" التعويضي لرئيس لا يعترف به أحد في اليمن والمنطقة والعالم بمن في ذلك مرؤوسوه الافتراضيون.
اليمن في محنة مركبة: فهناك الحرب الداخلية يشنها تحالف "الجلاد" و"الضحية" ضد الضحايا الأخرين. وهناك الحرب من الخارج لتعزيز شرعية "رئيس" يفتقر إلى ما هو أوسع من الشرعية. وهناك التجريف الكارثي لأجهزة ومؤسسات الدولة اليمنية الذي يجعل الشعب اليمني تحت رحمة ميليشيات تنهش، كل من موقعها، مواطنية اليمنيين وكرامتهم الوطنية، وتنزع عنهم أية حماية يوفرها القانون لصالح تسويد قوانينها وإحلال "انظمتها الخاصة" محل القضاء والأمن والمرافق الخدمية.
قبل أيام كان عديدون، بينهم "الرئيس" المنصب بإعلان الحوثيين، يبذلون الجهد لتحرير الزميل جلال الشرعبي من قبضة خاطفيه ( امنيين وميليشياويين). لكن في دولة "اللا دولة"، وفي ظل سلطة "الثورة" الحوثية، تتحول التوجيهات بالإفراج طبقا للقانون النافذ، إلى توجيهات مضادة باختطاف صحفيين جدد، واقتحام ونهب مؤسسات صحفية خاصة كما حصل قبل يومين لإذاعة وصحيفة "الناس" التي أسسها الزميل حميد شحرة، رحمه الله، وهي ملك أسرته بقدر ما هي ملك العاملين في المؤسسة.

مأساة اليمنيين تتفاقم، وخيباتهم تكثر، وأحزانهم تتعاظم.
لكن الحوثيين مستمرون في غيهم وفي تعميم "فوضاهم" وتكريس "لا دولتهم". مستمرون في إيذاء اليمنيين وإذلالهم وإذاقتهم "نعيم" ثورتهم التي بدأت بوضع اليد على "جديقة 21 مارس" (مقر الفرقة الأولى مدرع سابقا الذي رفض سلفهم علي محسن الأحمر تسليمه للدولة)، وانتهت في اليوم نفسه هناك! حيث تحولت الفرقة بكسر الفاء إلى "فُرقة" كسرت ظهور اليمنيين، وبدلا من أن يصير مقر الفرقة "حديقة" ثورة أو حتى "حديقة 21 مارس" طبق القرار الرئاسي، غيرت الجماعة "الثورية" اسمة إلى "جديقة 21 سبتمبر 2014" وبات الآن أحد معالم "حديقة الحيوانات" التي صممها جورج أورويل في رواية عابرة لحدود الزمان ومتجاوزة للفروق بين الشموليات، علمانية ودينية.
***
الحوثيون غاضبون من ناقديهم.
الحوثيون ناقمون لأن "خيريتهم" و"طهرانية" قائدهم، الزاهد، المعتزل في "الشمال القصي"، تعميهم عن التقاط "الخراب العميم" الذي يلف اليمن... لأن ثورتهم الخاصة تنير قلوب مجاهديهم المفعمين بالإيمان بقدر ما تغرق ب"الظلام" وب"الظلاميين" حواضر "الجمهورية" وأريافها وبواديها.
الحوثيون الغاضبون والناقمون يتخبطون، و"الشخص" الذي نصبوه رئيسا باسم الثورة، يصدر التوجيهات، باسم "اللجنة الثورية العليا"، التي لا يكترث لها أحد من رجال الأجهزة الأمينة المخصخصة ولا ينفذها أحد من منتسبي "النظام الخاص" للجماعة. يصدر التوجيهات، مرة أخرى، ثم يمدِد "ولا يبالي" ملتزما "نشيد" جماعته:"بالعشر ما نبالي... ولا كل الأعادي.. مع ربي جهادي".

الاثنين، 15 يونيو 2015

في استفظاع الإذلال والتشهير اللذين استهدفا عضو الهيئة العليا في "دولة" الميليشيا! الهرمان الاجتماعي والثوري لا يلتقيان في شطحات الحوثيين

        الإساءة التي لحقت بمحمد القيرعي عضو اللجنة الثورية العليا (التي اعلنها أنصار الله) تعيد طرح مسألة التناقض بين "الدولة" و"الجماعة"، بين أدوات الإكراه المادي للدولة، الأمن والمخابرات والشرطة والجيش (مهما تباينت الآراء والمواقف بشأنها) بما هي مخرج فكرة اختكار السلطة للمارسة القهرية طبق الدستور والقانون، وبين الميليشيا التي هي أداة الإخضاع الفئوية ضد فئات المجتمع الأخرى.
       
       الحق انني علمت بواقعة احتجاز الأستاذ محمد القيرعي وإذلاله قبل نحو أسبوع. ولم أجد ما يستدعي الكتابة بالتعليق أو إبداء التضامن بخاصة وأن الرجل يشغل _ نظريا_ موقعا رفيعا في السلطة "الثورية" إذ إنه عضو "اللجنة الثورية العليا" التي انبثقت من الإعلان الدستوري لتمارس السلطة الاجرائية في الدولة مؤقتا ريثما تنتهي من تشكيل المجلس الوطني (البرلمان) والمجلس الرئاسي (السلطة التنفيذية).

        قبل أيام علمت أن قياديين رفيعين في الجماعة التي شكلت اللجنة أبدوا أمام زملاء تذمرا من فكرة استمرار هذه اللجنة (وأقله نوعية اعضائها) في ظل تنامي الضغط الدولي على الأطراف المتصارعة في اليمن من أجل تسوية سياسية ارتكازا على القرار الدولي 2216. (وقد ربطت تلقائيا بين واقعة احتجاز القيرعي وبين تعبيرات الاستياء الحوثية، لكن لم يكن هناك ما يستدعي التعليق على واقعة تتصل بصميم الكرامة الانسانية لمواطن يمني مهما يكن مركزه ومنصبه).

        مساء أمس ارسل لي صديق تسجيلا بالصورة والصوت لجانب من واقعة الاحتجاز. وصباح اليوم الاثنين تصفحت التسجيل وهالني ما رأيت من انتهاك سافر لكرامة انسان يمني من قبل مجهولين يقولون إنهم "انصار الله".

        يصعب الاقتراب من بعض الانتهاكات بالتغطية والتعليق عندما يكون الضحية عاريا من أية حماية حتى من غطائه الثوري. والموجع أن التسجيل يظهر الصدع الكبير (كما هو الأمر غالبا) بين دعاوى الثورة وثقالات الواقع. بين الهرم الثوري المقلوب وبين الهرم الاجتماعي الراسخ رسوخ جبل نقم شرقي عاصمة اليمن الكبير!
       
         في التسجيل يظهر القيرعي المعنف عديم حيلة في مواجهة رجال، غير معينين دستوريا وقانونيا، يعنفونه وينهالون عليه بالأسئلة والإهانات. لقد اضطر إلى استخدام الترس "الثوري" في محاولته لكبح جماحهم وصد ثورتهم، هم. وقد اتضح له أن ترسه من "قش" بينما اسلحتهم من نار وحديد.

        ليس هذا مقام التشفي من أحد.
        ليست هذه الواقعة المناسبة لنقد خيارات القيرعي وتعييب قرار تعيينه من قبل سلطة الأمر الواقع الحوثية التي لا تمت إلى الواقعية بصلة.
         هذا مقام استهجان الفظاعات التي تمارسها الجماعة ضد الفرد، والميليشيا ضد الحق، والايديولوجيا ضد الكرامة الانسانية.

        لم يكن أحد ليولي كبير اهتمام، واقعة تحدث كثيرا في بلد يشيع فيه القتل بقدر ما تشيع فيه هيئات الفضيلة. لكن الحوثيين نشروا، مرة أخرى، "فيديو" يظهر فيه انسان يمني مهانا ومعنفا من قبل مسلحين عديمي الصفة وتعصف بهم النقمة جراء سلوك رجل اعترضوا طريقة في نقطة تفتيش في العاصمة المستباحة، برا وجوا!
 
          يستدعي الفيديو المسرب عن رجل يشغل موقعا ثوريا رفيعا، طرح مسألة "السوية": ما هو العائد المتحصل للجماعة من تسريب فيديوهات مهينة كهذه؟

       يمكن صوغ المسألة مجددا على هيئة أسئلة كهذه:
_ ما مركزية الفضيلة في مشروع جماعة اسلاموية، كأنصار الله، لإحكام السيطرة على المجتمع اليمني؟
_ ثم هل هناك فروق بين حراس الفضيلة السلفيين وحراسها الحوثيين؟
_ هل توجد فروق في التعاطي مع الضحايا بحسب مواقعهم في التراتبية الاجتماعية الراسخة لا بحسب مواقعهم في التراتبية الثورية (المزعومة)؟
_ ماذا سيفعل قائد جماعة أنصار الله عبدالملك الحوثي الذي يتسنم سدة الهرم الاجتماعي حيال رفيق الثورة الذي صعد في سياق سياسي واجتماعي متوتر، من قاع الهرم الاجتماعي إلى صدارة الواجهة الثورية للحوثيين؟
_ ماذا كسب المهمشون اليمنيون (المكتوب عليهم بالولادة واللون، ملازمة قاع الهرم الاجتماعي) من شطحة ثورية دفعت بأحد منهم إلى راس الهرم الثوري ثم من هناك جرى إلقائه أرضا في ما يشبه العقوبات الوحشية التي كانت تمارسها الجماعات القبلية في فجر التاريخ البشري؟
_ كيف سيأمن اليمنيون على كرامتهم في ظل "طهرانية" الجماعة التي لا تكتفي بإذلال المحالفين في المعتقلات السرية بل تتفاخر بإذلالهم عبر توزيع تسجيلات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، في ما يشبه الإعدام المعنوي؟
****
     وأخيرا:
هل في وسع الميليشيا أن تنتج ثورة حقا بلّك أن تصير دولة؟

الأحد، 14 يونيو 2015

تمثيل "الحراك" في جنيف مؤشر على رداءة المتحاورين وانحطاطهم القيمي!


          من حسن باعوم وعلي سالم البيض وعلي ناصر محمد وحيدر ابوبكر العطاس ومحمد علي أحمد (قيادات الخارج) وهيئات الضباط الجنوبيين المسرحين قسريا (ناصر النوبة وعلي السعدي والبيشي والمعطري وعيدروس حقيس وزملائهم الذين فجروا الاحتجاجات في الجنوب في 2007) جرى اختزال "الحراك الجنوبي" في مؤتمر الحوار الوطني إلى مكون جديد برئاسة أحمد الصريمة ونيابة محمد علي احمد. حظي هذا المكون الطارئ بدعم وتأييد الرئيس هادي وكل "الرجال المحترمين" في صنعاء، وبمباركة جمال بنعمر (المبعوث الأممي السابق) وكل السفراء الرعاة للمبادرة الخليجية والعملية الانتقالية). ظنوا ان اختراع مكون جديد يقبل الانصمام إلى "السيرك الصنعائي" سيوفر حلا للقضية الجنوبية في موفنبيك أو _ على الأقل_ غطاء جنوبيا لأي حل يتم تمريره في الحوار.
            بعد شهر غادر رئيس "مؤتمر شعب الجنوب" أحمد الصريمة الفندق حيث "العروض البهلوانية" لسلطة الغدر باليمنيين ومن بارك انقلابها على الثورة والقضية الجنوبية. انسحب باكرا لأسباب لم يطلع عليها اليمنيون، لكن الذين اغتاظوا من انسحابه روجوا في المجالس والمقايل لشائعة تقول إن السلطان قابوس ضغط على الرجل (الذي يحمل الجنسيو العمانية) لمغادرة اليمن بناء على طلب من الرئيس هادي.
          بعد 4 اشهر من عروض موفنبيك، كان محمد علي أحمد الذي صار بانسحاب الصريمة، رئيسا للمكون الحراكي المشارك في الحوار الوطني، يشتبك علنا مع الرئيس هادي الذي لم يتحقق له الاشباع الرئاسي الكافي ليتعاطى مع الحراك بروحية رئيس دولة. قرر الرئيس هادي إن الملعب الجنوبي تنقصة العروض الشائقة، فغادر وقاره الرئاسي وهرع إلى الجنوب للعب في "دوري المظاليم" الذي بدأ في اعقاب حرب 94. كانت النتيجة أن الرئيس اليمني ارتطم ب"الرئيس الحراكي"، فتبادلا الطعنات السياسية. ولما كانت يد الرئيس اليمني طليقة _ كيد سلفه في الرئاسة وأكثر_ فقد استطاع ان يستميل نحو نصف عدد المكون الحراكي إلى صفه. وهكذا انتقل تمثيل الحراك الجنوبي من حراك 2012 الذي اسسه محمد علي أحمد والصريمة وقيادات حراكية وناشطون معروفون في الجنوب، إلى حراك 2013 برئاسة هادي نفسه (أحد أبطال حرب 94 التي أدت لاحقا إلى ظهور الاحتجاجات في الجنوب ضدا على نتائجها).

          في مطلع 2014 كان اعضاء منشقون من مكون محمد علي أحمد يظهرون في المشهد الختامي لعروض سيرك الحوار الوطني في فندق موفنبيك، باعتبارهم الممثل الشرعي والحصري للجنوب، مباركين المخرجات الرائعة التي ستضع حلا عادلا للقضية الجنوبية.
        كان ذلك الظهور _ بمعزل عن الرأي في اصحابه_ بمثابة الإعلان السافر للعدوان على اليمنيين جميعا والجنوبيين خصوصا، بمشاركة من كل المكونات السياسية والحزبية والشبابية والمدنية والحقوقية الحربية المشاركة في الحوار، جميعها بدءا من هادي والمبعوث الدولي وسفراء الدول الراعية وقادة أحزاب المشترك وقادة المؤتمر الشعبي.
لقد تعرض الشعب اليمني لجريمتين في موفنبيك: جريمة انتحال صفة تمثيله من قبل المشاركين الذين قرروا التمديد لهادي وللحكومة وللبرلمان، وجريمة انتحال صفة تمثيل سكان الجنوب من قبل الرئيس هادي وكل أولئك الطيبين الذين انتقلوا من عدن إلى صنعاء ثم انتقلوا من رئاسة محمد علي أحمد إلى رئاسة هادي بكل سلاسة.
في يناير 2014 كان المشهد الختامي لعروض السيرك اليمني. بعد أشهر قليلة بدأت نذر الحرب الأهلية الشاملة في الظهور. وفي يوليو اقتحم الحوثيون محافظة عمران. وفي سبتمبر اقتحموا العاصمة صنعاء ليفرضوا اتفاق سلم وشراكة كان من ضمن الموقعين عليه "حراك 2013"!
        والأن _ وفي ظل حرب داخلية كارثية_فإن حوارا أو تفاوضا أو تشاورا أو تناوشا، مقررا له أن يبدأ في جنيف غدا يضم كل المتآمرين في صنعاء منقوصا منهم "ارانب السباق" التي لا تُدعى للمشاركة في المنافسات داخل الحلبات المغلقة.
من الغباء توقع الكثير من هؤلاء المنتحلين الذين لم ينتخبهم أحد لتمثيله في أي حوار. لكنها شرعية القوة والبقية الباقية من "شرعية توافقية" أخذت وفدين إلى جنيف بناء على دعوة محترمة أخرى (!) من المجتمع الدولي.
        سيتفاوضون كقتلة، ك"حاربين" و"محروبين" _ باستعارة مفردات البردوني_ على كيفية انهاء الحرب طبق قرار مجلس الأمن 2216، وسيبحثون آليات تنفيذ هذا القرار، ويفترض أن يبحثوا مسودة اتفاق اطاري جديد يحل محل المبادرة الخليجية.
من الواضح ان المنتحلين جميعا لا يستشعروا أي مسؤولية حيال شعبهم وبلدهم. وهم _ بالخطاب والمسلك_ يفتقرون للحس السليم بالزمن وبالواقع. لذلك على المتفائلين أن يخفضوا سفوق توقعاتهم كثيرا. عليهم ان يتذكروا ان هؤلاء القتلة واللصوص والأفاكين كانوا يصلون، كتفا إلى كتق، في قاعات موفنبيك. وعندما كانت التحذيرات تصدر من أصوات مستقلة، من خطورة اخذهم "اليمن" إلى الحرب الأهلية، كانوا يردون بصور جماعية تظهر كم أنهم محبون ومتسامحون ومسالمون ومدنيون.
        من الفطنة أن يخفض اليمني توقعاته حيال ما يمكن أن ينجزه هؤلاء في جنيف، بتيسير المبعوث الأممي الجديد الذي لا يبدو أنه تعلم من جاره المغربي الدرس.
         من الضروري ألا يمر مشهد الوفدين من غير العودة إلى نقطة البداية:
من يمثل الحراك الجنوبي في جنيف؟
 

         كانت لدي، دائما، تحفظات مبدئية تتعلق بوجاهة استقدام اشخاص أو جماعات تمثل (دون أي تفويض) سكان المحافظات الجنوبية والشرقية (الجنوب السياسي سابقا)، ومع ذلك هناك مكونات وقيادات معروفة في الداخل والخارج لها حيثية تمثيلية في الشارع الجنوبي. لكن من المخزي أن تتورط "نخبة الهوان الوطني" مجددا في انتحال تمثيل هزيل للحراك الجنوبي يذكر بأسوأ عروض موفنبيك.
الحوثيون_ مثلهم مثل هادي واحزاب المشترك_ يلعبون اللعبة نفسها في الجنوب. صار لديهم "حراكيون" تحت الطلب!
        هناك دائما مسارات أكثر واقعية وعملية من اصطحاب ممثلين مزعومين لقضية وطنية (جنوبية) لن تحظى _ أبدا_ بتمثيل عادل قبل أن يحظى اليمن برجال دولة محترمين وقادة حزبيين كبار يحترمون شعبهم ويترفعون عن موائد اللئام ويأنفون من المشاركة في عروض تضليلية من شاكلة ما جرى في موفنبيك وما سيجري غدا في جنيف.